عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 نيسان 2026

فوضى النشر في زمن الذكاء الاصطناعي... حين تتحول الحقيقة إلى ضحية

بقلم : العميد لؤي إرزيقات*

في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا كما لو أنها تسبق نبض الزمن ذاته، لم يعد الخطر كامنا في الحدث بحد ذاته، بل في الكيفية التي ينقل بها، ويعاد تشكيله، وتضخيمه، حتى يغدو كابوسا جماعيا يقتات على خوف الناس وهشاشة اليقين. لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة، لا تحكمها في كثير من الأحيان ضوابط مهنية أو أخلاقية، بل تتحكم بها نزعات الشهرة السريعة، وجنون "الترند"، وشهوة التأثير ولو كان الثمن أمن المجتمع واستقراره.

إن فوضى النشر التي نشهدها اليوم لم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحولت خطرا حقيقيا يهدد السلم المجتمعي، خاصة مع إساءة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، التي وجدت أصلا لخدمة الإنسان، فإذا بها تستغل لصناعة الوهم، وتزييف الواقع، وبث صور مفبركة ومقاطع مضللة تصمم بعناية لإثارة الذعر، وإشعال القلق في النفوس. صور تنشر بلا ضمير، وأخبار تتداول بلا تحقق، فتتسارع كالنار في الهشيم، لا يوقفها عقل ولا يردعها وعي.

وما يزيد المشهد قتامة، أن هذه الممارسات لا تقف عند حدود التضليل، بل تتعداها إلى خلق حالة من الهلع الجماعي، تفضي أحيانا إلى شجارات بين المواطنين، وتوترات اجتماعية لا مبرر لها، سوى إشاعة كاذبة أو صورة مفبركة. وهنا، لا يعود الضرر فرديا، بل يصبح مجتمعيا، يمس الجميع، ويهدد نسيج الثقة بين الناس، ويزرع الشك في كل ما يقال أو ينشر.

ولعل الأخطر من ذلك، هو تلك الصفحات التي تدار من خارج الوطن، وتتقن لعبة العبث بالعقول، وتستثمر في هشاشة اللحظة، فتسعى إلى ضرب الروح المعنوية، وبث الفتنة، وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسساته الرسمية. إنها حرب ناعمة، لا تطلق فيها الرصاصات، بل تبث فيها الأكاذيب، وتحرك فيها المشاعر، وتستهدف فيها الحقيقة.

إن من يقف وراء هذه الأفعال، وإن توهم أنه يمارس التسلية أو يسعى إلى لفت الانتباه، إنما يرتكب جريمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية. فالقانون لن يقف صامتا أمام من يعبث بأمن الناس، ويثير الذعر بينهم، ويقوض استقرارهم. وستبقى المساءلة حاضرة، لأن المجتمعات لا يمكن أن تسمح بتحويل الخوف إلى مادة للترفيه، ولا الحقيقة إلى ضحية.

وفي خضم هذا الضجيج، تبرز الحاجة الملحة إلى وعي جمعي، يعيد الاعتبار للعقل قبل العاطفة، وللتحقق قبل النشر، وللمسؤولية قبل السبق. إننا اليوم أحوج ما نكون إلى ثقافة التروي، وإعادة بناء الثقة بالمصادر الرسمية، التي تبقى المرجعية الأولى في نقل الحقيقة، بعيدا عن التهويل أو التزييف.

فلنكن على قدر هذه المرحلة، ولندرك أن الكلمة أمانة، وأن الصورة مسؤولية، وأن "زر النشر" قد يكون في لحظة ما أخطر من أي سلاح. ولنحذر من أن نكون أدوات في يد من يسعى إلى بث الفتنة، أو جسورا تمر عبرها الشائعات إلى عقول الناس.

إن الوعي ليس خيارا، بل ضرورة وطنية، ومسؤولية أخلاقية، وسلاح في وجه الفوضى. فإما أن نكون مجتمعا يحسن التمييز بين الحقيقة والزيف، أو نترك أنفسنا نهبا لوهم يدار من خلف الشاشات… حيث لا صوت يعلو فوق صوت الإشاعة.

----------

* المتحدث الرسمي باسم الشرطة الفلسطينية