المرأة الفلسطينية بين التحرير والتحرر
باسم برهوم

لم تتأخر المرأة الفلسطينية في اللحاق بالنضال الوطني، وبدأت مبكرا في عشرينيات القرن العشرين، وكانت النساء الفلسطينيات، كغيرهن من النساء العربيات يتحركن متأثرات بالنزعة التحررية التي بثتها هدى شعراوي ورفيقاتها في مصر، عندما جمعن بين شكلين من النضال، النضال الوطني ضد الاستعمار، والنضال من أجل حقوق المرأة وتحقيق المساواة لها. على خطى شعراوي، انخرطت النساء الفلسطينيات في الكفاح ضد الاستعمار البريطاني، وضد المشروع الصهيوني، وفي الوقت نفسه كن يناضلن من أجل تحسين ظروف المرأة ومنحها حقوقها كاملة، وأن تكون شريكة للرجل في صناعة مستقبل الشعب الفلسطيني.
ولاحقا بعد النكبة واصلت المرأة الفلسطينية كفاحها بنفس الروح التحررية وأسست الطليعة النسائية الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في عام 1965. والذي من بين أهدافه الارتفاء بواقع المرأة، والمساهمة في النضال الوطني، وتعميق العلاقات مع المنظمات النسائية العربية والدولية من أجل نصرة فلسطين، والسعي إلى النهوض بالشعب الفلسطيني. وما إن انطلقت الثورة الفلسطينية كانت المرأة في الطليعة، وكانت الفدائية والإعلامية والشاعرة وفي موقع القيادة شريكة في القرار وتصنع السياسات وتبني المؤسسات، فكانت انتصار الوزير، على سبيل المثال، كانت في الخلية الأولى لتأسيس فتح، في قلب عملية تأسيس حركة التحرير الوطني " فتح " نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات، ولم تكن تتصرف على أنها زوجة القائد خليل الوزير "أبو جهاد"، وإنما كانت شريكته، وشريكة باقي القيادة في القرار.
نساء فلسطينيات طليعيات برزن في تلك المرحلة والمراحل اللاحقة. في مقدمتهن عصام عبد الهادي، رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وسلوى أبو خضرا، ومي صايغ، وسميرة عزام، وشادية أبو غزالة. وجيهان الحلو، وفاطمة برناوي، وسميحة خليل، وغيرهن كثيرات. وخلال الانتفاضة الشعبية السلمية الأولى، كانت المرأة الفلسطينية في الميدان تقود المواجهات وتنظمها. وهي مهندسة الاقتصاد المنزلي. الذي عزز الصمود. وسمح بالاستمرار بالمواجهة، ومنهن من استشهدن وتم أسرهن، قابضات على الجمر.
منذ عشرينيات القرن الماضي كان نضال النساء الفلسطينيات في صعود ومنسجما مع العصر، ومنسجما مع الوطنية الفلسطينية. ويدمج في النضال بين ما هو اجتماعي وما هو وطني، بين الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي وبين نضالهن من أجل حقوقهن، وأن يتمتعن بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها الرجل. كانت الأمور هكذا في الثورة الفلسطينية. وفي صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن الوضع تغير في العقود الثلاثة الأخيرة، مع صعود الإسلام السياسي وتحكمه بثقافة المجتمع. تراجع نضال النساء التحرري. وبدل أن تكافح المرأة وتأخذ دورها الطليعي عادت لتكون تابعة في أغلب الأحيان، وأصبحت رهينة لضغوط اجتماعية. وأصبحت تحت مجهر المجتمع، ما ترك تأثيره السلبي على دورها، بالرغم من أن السلطة الوطنية الفلسطينية كانت تدفع باتجاه أن تكون المرأة الفلسطينية شريكة أساسية في صناعة القرار، وترجمت ذلك بالقوانين بدءا بالقانون الأساسي، ومؤخرا في مسودة الدستور. الذي نص على مساواة المرأة والرجل. ومنح المرأة كوتة تضمن لها تمثيلا في المؤسسات التشريعية والتنفيذية. وفي السلك الدبلوماسي، وفي كافة الحقول.
ويمكن القول إن المراة الفلسطينية تعيش واقع اليوم بين اتجاهين الاتجاه الوطني التحرري الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية. والسلطة الوطنية، الذي يعمل من أجل تعزيز دور المرأة ويعمل من أجل المساواة. وأن تكون المرأة الفلسطينية فعلا لا قولا شريكة في صناعة القرار. وبين اتجاه الإسلام السياسي الذي يريد أن يعيد المرأة قرونا إلى الوراء. وفي سياق هذا الواقع، بالضرورة ألا يتم الاكتفاء بضمان حقوق المرأة المنصوص عليها بالقانون، رغم أهمية ذلك. وإنما من خلال التصدي للثقافة الرجعية التي ينشرها الإسلام السياسي في المجتمع. ونشر الثقافة التحررية النهضوية، والحفاظ على تعددية الثقافة في فلسطين. والتصدي لثقافة الإسلام السياسي، لا يمس أبدا بالدين الإسلامي ذاته ولا بأي دين آخر، وإنما للمسألة علاقة بفصل الدين عن الدولة والثقافة العامة. والسؤال لماذا النضال من أجل تحرير المرأة وجعلها شريكة بالقرار؟ الجواب بسيط هل يمكن أن ينهض أي مجتمع إذا كان نصفه محروما من القيام بدوره ويتمتع بالمساواة ذاتها، وبالفعل ذاته، ويتمتع بالحقوق ذاتها، وهل يمكن أن ننجح في المواجهة مع المشروع الصهيوني، والاحتلال الإسرائيلي، من دون أن يكون المجتمع منخرطا كله في المقاومة الشعبية؟.
مواضيع ذات صلة
المرأة الفلسطينية بين التحرير والتحرر
في غزة.. بناء البشر أولى من بناء الحجر
(ماكبث).. بيننا الآن!
إدارة الصوت التفضيلي في انتخابات الهيئات المحلية الفلسطينية: كيف تحقق القوائم التوازن والنجاح؟
المرأة الإنسان وجاذبية السلام
رسالة إلى امرأة فلسطينية لا تعرف أنها بطلة
في الثامن من آذار.. لا عدالة بلا إنهاء الاحتلال ولا دولة بلا نسائها