عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 آذار 2026

(ماكبث).. بيننا الآن!

تغريدة الصباح - حسن حميد

شغلت مسرحيات وليم شكسبير الكاتب الإنكليزي الشهير (1564-1616) بأمور ثلاثة أساسية دارت حولها مسرحياته وجسدتها، وهي البعد الكوميدي، والبعد التراجيدي، والبعد التاريخي.

ومسرحيته الشهيرة (ماكبث) هي إحدى أهم المسرحيات المعنية بالتراجيديا التي وقفت على الصراع ومآلاته تجاه الحكم، والاستحواذ على الأملاك، والأموال، والنساء، والأراضي، فالسلطة والاستبداد، والطمع والجشع، والأقدار والظروف، والنوازع والأهواء، والدسائس والمخاوف، والظنون وجنون العظمة هي التي تلعب بمصائر الشخصيات في هذه المسرحية.

كتب شكسبير هذه المسرحية سنة 1606، وقد مثلت في العام نفسه، وتجري أحداثها في اسكتلندا، أما زمنها فقد جعله شكسبير يدور في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، في زمن سادته الصراعات والأهواء والحروب الداخلية والخارجية في آن.

طرفا الصراع في المسرحية هما الملك من جهة والطامعون في السلطة من جهة ثانية؛(الملك) تميّز بالطيبة واللطف والخلق الرفيع، لكي يقابل اصطفافا آخر من أهل الأطماع والوغدنة والقسوة. مثل الملك (دنكن) أهل الطيبة، بينما مثل ابن خالته الأمير (ماكبث) أهل القسوة والشرور، وقد استغل الناس طيبة الملك. فناوشوه وانتقدوه ثم ثاروا عليه، وقد قاد الجيش الملكي لإخضاع الناس لقوانين الدولة، وحماية الملك والقصر، وحفظ مهابة الدولة الأمير (ماكبث) يعاونه القائد (بانكو)، وبقسوة شديدة وبالغة يتغلب (ماكبث) على المتمردين والثائرين على سلطان الملك، وفي المآل، وخوفاً من الأسر يقتل قائد المتمردين أفراد أسرته، ثم ينتحر لأنه يعلم قسوة (ماكبث) الذي لن يقبل إلا بذبح أسرته والفتك بهم وبه، وقد كان محقاً لأن (ماكبث) قطع رأسه وعلقه على عمود في ساحة القلعة مع أنه كان ميتاً (منتحراً)، وبهذا الفعل الشنيع يبدي(ماكبث) وجهاً من وجوه قسوته ووحشيته معا.

وفي أثناء المواجهة ما بين جيشي (ماكبث) والمتمردين، صادفت ساحرات الغابة (ماكبث) و(بانكو) في الغابة، وأخبرت (ماكبث) أنه سيصبح ملكاً، وأن رفيقه ومعاونه (بانكو) لن يصبح ملكاً، ولكن سيصير الملوك من سلالته.

بعد ظفر (ماكبث) بالمواجهة مع المتمردين، تآمر مع زوجته (التي ستجن وتنتحر لاحقاً) على قتل الملك الضعيف (دنكن)، فيقتله، ويضع الخنجر الملطخ بالدم بين أيدي حارسيه المخمورين النائمين ليلاً، وفي الصباح تكتشف الجريمة، فيقوم (ماكبث) بقتل الحارسين وهما بريئان من دم الملك (دنكن)، ويصعد (ماكبث) إلى العرش محققاً نبوءة ساحرات الغابة، ويبقى في الحكم سبعة عشر عاماً، وهو يعلم بأن سلالته لن تحكم عرش اسكتلندا، لذلك شعر بالحزن لما اقترفته يداه، بقتله للملك (دنكن) لأن وراثة العرش ستؤول إلى أولاد معاونه الجنرال(بانكو) لذلك يسعى إلى قتل (بانكو) مع أفراد أسرته عن طريق قتلة مجرمين، يرسل إليه قاتلين أولاً، ثم يرسل خلفهما من يتجسس عليهما مخافة ألا ينفذا أوامره، وقد استطاع أحد القتلة قتل (بانكو)، أما ابنه (فليانس)، فقد تمكن من الهروب، ومع تنفيذ الجريمة، راح (ماكبث) يشدد قبضته على البلاد والناس معاً، فكان مثالاً للملك الغضوب العضوض الذي لا يتوانى عن اقتراف أية جريمة من أجل توطيد أركان سلطته وحكمه.

وقد راح يستقدم العرافين والعرافات لمعرفة المستقبل، فقالت له إحدى الساحرات إن حكمه سيزول عندما تهاجمه الغابة، وقد قابل (ماكبث) هذه النبوءات بالسخرية، إذ كيف ستهاجمه الغابة، ومع ذلك كان يشعر بالقلق والخوف من الناس، لأنه اضطهدهم، والناس كانوا يخافونه أيضاً، لكن أحد النبلاء (ماكدوف) تزعم حركة تمرد على الملك (ماكبث)، ولكي يخفي جنوده عن العيون، أمرهم بأن يقطعوا أغصان الأشجار ويتواروا خلفها، وأن يهاجموا قصر (ماكبث) وجنوده، وقد تراءى حشد المتمرّد على (ماكبث)، مثل غابة تهاجمه، واحتدم الصراع بين الطرفين طويلاً، وقد أبدى (ماكبث) وجنوده مقاومة شرسة، لكن الكثير من أفراد جيشه وحاشيته الذين نالهم اضطهاده، تخلوا عنه، فانتصر النبيل (ماكدوف) عليه، وبذلك تحققت نبوءة الساحرة من أنّ الغابة ستهاجمه، وأنّ حكمه سيزول بفعل هذا الهجوم، وأنه سيقتل شر قتلة، وهذا ما حدث فعلاً، فقد قتل (ماكبث)، وقتل الكثير من أفراد أسرته وحاشيته، وحراسه، وتنفس الناس الصعداء، فقد مات الطاغية الذي سقاهم كؤوس المر والهوان طوال سبعة عشر عاماً، قضاها في تحصين قصره، وقلاعه، وتقوية جيشه، وحياكة المؤامرات والدسائس، وإطفاء النيران التي كانت تشب في أطراف مملكته، وسحق الفتن داخل قصره، وسحق أعدائه، والطامعين بعرشه لمجرد الشكوك بهم، واغتيال كل من سوّلت له نفس بالحديث السيئ عن سلوكه وقراراته، أو انتقاده انتقاداً بسيطاً عابراً.

لقد أراد وليم شكسبير، أن يقول في مسرحيته (ماكبث) أن الحكم حالة عصية على العدل، وإنصاف الناس، وأنّ السلطة مهما تحصنت وتدرّعت بالقلاع والجيوش والأسلحة والحراس ستزول، لأن القوة وحدها لا تحمي، وأنّ مصير الطغاة أمثال (ماكبث)هو الموت، مع أنهم أمضوا حياتهم في حراسة السلطة والحكم، ولم يتوانوا عن القتل، والسحق، والاغتيال، والمؤامرات والدسائس، وإيقاع الآخرين في شباكهم طلباً للأمن وتحصين السلطة والحكم، وأنه لا بد للشعب من الاقتصاص منهم مهما امتدت فترة حكمهم، ومهما امتلكوا من وسائل القوة وأشكالها.

المأساوية في مسرحية (ماكبث) تتمثل في أنّ الحاكم (ماكبث) لم يرَ قباحة أفعاله وتصرفاته، ولم يشعر بفداحة ما اقترفته يداه من قتل، وسحق وتغييب لأعدائه ومناوئيه، بل عد أفعاله كلها خيرة، ليس لصالحه فحسب، بل لصالح الشعب، وظن بأنه يمثل الشعب، ويحكم باسمه، بل إن التراجيديا الأفظع تجلت بأن (ماكبث) ظن نفسه هبة سماوية، ونعمة من نعم الإله لشعبه الاسكتلندي، وأنه مثال رائع لقوة الحاكم وعدله، وصوابية قراراته الحكيمة، ومع الأيام نسي (ماكبث) أنه استولى على الحكم بالمؤامرة، والقتل، والدسائس الخبيثة، وأنه تخلّص من كل أعدائه بالكيد.

إنها دوامة الصراع، وجنون العظمة من أجل الحفاظ على السلطة التي جعلت الحاكم( ماكبث) ينسى ما فعلته أوامره بالناس، وما آلت إليه من دموية، وبطش، وخوف، وتدمير لأحلام البشر.

بلى، ما أشبه اليوم بالبارحة، لأن (ماكبث) ما زال بيننا الآن، فها هي أنفاسه الحامضية تحوم في الهواء، وها هو وقع خطاه يتعالى قرب بوابة البيت.

Hasanhamid5656@gmail.com