عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 27 نيسان 2025

"الأونروا.. إلى أين؟" معرض يوثق نكبة اللاجئ الفلسطيني في خيمة موت

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي-  من داخل متحف الذاكرة الفلسطينية المعاصرة، يقف الزائر مشدوهًا أمام مشهد يختصر 75 عامًا من المعاناة: خيمة قديمة ملفوفة بإحكام على طاولة تغسيل الموتى، في صورة تختزل مصير "الأونروا" وتطرح سؤالاً وجوديًّا صارخًا: إلى أين تمضي الوكالة؟

بهذا المشهد الاستهلالي الصادم، افتتح متحف ياسر عرفات معرضه الحادي عشر تحت عنوان "الأونروا.. إلى أين؟"، في محاولة فنية وإنسانية تسلط الضوء على واقع اللاجئين الفلسطينيين والمصير المهدد لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وسط تصاعد الدعوات الإسرائيلية لتجفيف منابعها وحظر عملها نهائيًّا.

 

الخيمة: موت رمزي لوكالة حياة

الخيمة المعلقة في بداية المعرض ليست مجرد قطعة قماش تعود إلى ما بعد نكسة 1967، بل تمثيل رمزي لـ"جثمان" الأونروا، كما يراها القائمون على المعرض، في رسالة احتجاجية على محاولات خنق الوكالة التي تُعدّ شريان الحياة لأكثر من 6 ملايين لاجئ فلسطيني. يقول محمد حلايقة، مدير متحف ياسر عرفات: "إن هذه الصورة الأولى صُممت عمدًا لتصدم الزائر وتجعله يطرح الأسئلة".

ويضيف حلايقة: "الهدف من المعرض ليس فقط التوثيق، بل لفت الأنظار إلى الخطر الحقيقي الذي يهدد الوكالة. إذا ماتت الأونروا، فإن ملايين الفلسطينيين يُحكم عليهم بالموت البطيء، وبالتهجير من جديد، وبتوقف المعونات الإنسانية التي تمثل شريان البقاء لكثيرين."

 

 

 

مأساة عمرها 75 عامًا

في سرديته البصرية، يقدّم المعرض وثائق وإحصاءات وخرائط وصورًا نادرة تعكس المشهد المعقد للأونروا، منذ تأسيسها بقرار من الأمم المتحدة عام 1949، وحتى يومنا هذا. ويصف حلايقة الأونروا بأنها "شاهد على النكبة الممتدة"، مؤكداً أن استهدافها لا ينفصل عن استهداف وجود اللاجئ الفلسطيني نفسه.

"إلغاء الوكالة هو محاولة لطيّ صفحة اللاجئين، وتحويل القضية من مأساة دولية إلى شأن إسرائيلي داخلي. تصويت 92 عضو كنيست إسرائيلي لصالح حظرها ليس سوى حلقة في مسلسل منظم لإنهاء الوجود الفلسطيني"، يؤكد حلايقة.

ويعود تاريخ الاستهدافات الإسرائيلية للوكالة إلى ما قبل الانتفاضتين إذ يسعى الاحتلال للتنصل من تطبيق القرار 194 واعتماد تعريف اللاجئين الفلسطينيين ضمن ميثاق عام 1951.

وتواصلت المساعي الإسرائيلية لشيطنة الأونروا، ضمن مخططات ترمي إلى تصفية الوكالة الأممية الشاهدة الحية على قضية اللاجئين الفلسطينيين، بالتزامن مع العدوان المتواصل على المخيمات الفلسطينية في الضفة، وإعدة هندسة حيزها الجغرافي وإلغاء رمزية المخيم عبر التدمير والتهجير.

وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت محاولات إسرائيل للحد من دور الأونروا، بهدف إنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين. ففي تشرين الأول 2024، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونًا يحظر على الأونروا العمل داخل إسرائيل، والقدس الشرقية المحتلة، ما يهدد بتقليص خدماتها الحيوية في تلك المناطق. وفي تشرين الثاني من العام نفسه، أبلغت إسرائيل الأمم المتحدة رسميًا بإلغاء الاتفاقية التي تنظم علاقاتها مع الأونروا منذ عام 1967، ما يُعد خطوة غير مسبوقة في تاريخ الوكالة، بهدف القضاء على الشاهد الدولي على قضية اللاجئين الفلسطينيين، التي تمس أكثر من 7 ملايين لاجئ في الوطن والشتات.

وفي إطار الحرب الإسرائيلية، يأتي قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رفع الحصانة عن وكالة "الأونروا"، وعدم اعتبارها جزءا من الأمم المتحدة بما يسمح بمقاضاتها أمام المحاكم الأميركية، في إطار وثيقة قانونية قدمتها وزارة العدل الأميركية للمحكمة الاتحادية في نيويورك ضمن مزاعم خطيرة ضد الوكالة الأممي تتهمها بالتغطية على موظفين شاركوا في أحداث السابع من تشرين الأول 2023، وتطلب تعويضات مالية باهظة، ومنذ ولايته الأولى كرئيس للولايات المتحدة الأميركية 2017، يعمل الرئيس دونالد ترامب على محاربة الأونروا ووقف تمويلها، بهدف تصفية قضية اللاجئين.

 

 

فن ومقاومة: لغة جديدة لحكاية قديمة

يرى المهندس ممدوح فروخ، مدير العرض والتصميم في المتحف، أن المعرض لا يكتفي بالسرد التاريخي، بل يعيد تشكيل المعاناة بأدوات الفن المعاصر. ويقول: "الرسالة هنا ليست فنية فقط، بل سياسية وإنسانية. اللوحات، الوثائق، الفيديوهات، وحتى المقتنيات القديمة – كل عنصر هنا يحاول أن يقول: هذه ليست مجرد وكالة، هذه الذاكرة الحية لشعب بأكمله".

ويشير فروخ إلى أن المعرض يحتوي على أكثر من 15 بوسترًا فنيًا لفنانين، معظمهم من غزة، وصور فوتوغرافية نادرة وحديثة، إضافة إلى مقتنيات أصلية استخدمت في مكاتب الأونروا في ستينيات القرن الماضي.

ويرى فروخ أن فناني قطاع غزة الأقدر على وصف المعاناة والأوضاع الكارثية في القطاع، وما تمثله الأونروا لهم بشكل خاص، وقد نجحوا من خلال تقديم اللوحات الفنية المميزة.

وحول الترتيبات الفنية والتقنية يوضح فروخ: "يعرض في المعرض مجموعة من العناصر التي تهدف إلى وضع الزائر في تجربة تفاعلية من خلال استعراض نصوص وإحصائيات وخرائط عن تاريخ الأونروا وحتى تاريخ اليوم، تتضمن التعريف بها وبخدماتها والقرارات الدولية ذات العلاقة والتحديات التي تواجهها التي يمكن أن تشكل مرجعًا للباحثين وطلاب المدارس والجامعات وتظهر البعد الدولي للأونروا وضرورة حمايتها من المجتمع الدولي المسؤول عن إنشائها، الى جانب فيديوهات وثائقية عن الأونروا ومجموعة من المقتنيات النادرة للوكالة كانت تستخدم في مكاتبها تعود لفترة الستينيات، الى جانب عرض 15 بوسترا لفنانين معظمهم من غزة تعكس دور الوكالة وما تمثله للفلسطينيين، خاصة في ظل حرب الابادة على قطاع غزة والضفة الغربية، الى جانب صور فوتوغرافيىة حديثة وقديمة تُظهر استمرار التهجير القسري للفلسطينيين ومعاناتهم الإنسانية المستمرة على مدار الـ 75 سنة الماضية".

من رام الله إلى العالم

المعرض ليس محطة محلية. إذ يؤكد فروخ أن تصميمه تم بحيث يُمكن نقله لاحقاً إلى دول أخرى لعرض القضية الفلسطينية واللاجئين أمام العالم، والهدف إيصال صوت اللاجئين إلى أبعد مدى، وإعادة الأونروا إلى الواجهة الدولية كرمز حي للنكبة المستمرة."

 

صرخة من الذاكرة

يمضي الزائر في أروقة المعرض، يتنقل بين صور لاجئين في خيام، أطفال يتعلمون تحت الشجر، مشاهد الدمار في غزة، وخرائط الشتات الفلسطيني. وبين كل عمل فني ووثيقة، تترسخ رسالة واحدة: الأونروا ليست مجرد مؤسسة. هي الشاهد، والمساعد، والملاذ. وإن رحلت، فإن الذاكرة والحقوق والإنسانية نفسها على المحك.

"الأونروا.. إلى أين؟" ليس فقط معرضًا، بل صرخة صامتة من خيمة لجوء، تبحث عن العدالة.