عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 21 آذار 2022

أم عبد: حياة الشتات مريرة ولكن ..على هذه الأرض ما يستحق الحياة

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- هي التي بكت حين تاهت عن أهلها على مدى أسبوع إبان نكبة اللجوء من فلسطين إلى لبنان في عام ١٩٤٨،  كان عمرها يومذاك سبع سنوات. بعد 73 عاما يأبى دمع أم عبد أن يجف في مقلتيها، يفيض متنقلا  بين الوطن الممنوع وفلذات أكبادها الخمسة الذين فقدتهم في الشتات واحدا تلو الآخر.

ودائما من الوطن تبدأ الحكايات، جرح تداعت بعده الجراح وكرت سبحة الويلات .. ابنة مدينة صفد الفلسطينية الحاجة لطيفة أحمد علي، تعود بالذاكرة لطفولتها الجميلة في حارة الأكراد حيث كان مسكن عائلتها قبل أن تشتد اعتداءات العصابات الصهيونية على المدينة وسكانها.

تروي أم عبد الحكاية فتقول: "أصبحوا يقتلون الناس عمدا أمام أعيننا وكان المشهد الأخير الذي ما زال نصب عيني لإحدى قريبات والدتي وهي تطعم طفلها الخبز والحليب، فأطلقوا النيران عليه (الطفل) حتى سبح في دمائه.. رحنا نتنقل من حارة إلى أخرى في صفد لعلها تكون أكثر أمانا حتى وجدنا أنفسنا في وادي الطواحين".

وتستطرد: "حملت أمي بين أحضانها أختي الصغيرة حميدة التي تبلغ من العمر أربعة شهور، تعبت، فمشت حافية، الأمر الذي انعكس على حليب رضاعتها لأختي التي سرعان ما توفيت ونحن على طريق اللجوء فتم دفنها على البيادر".

وتتابع: "طرقات صخرية ووعرة والطقس ممطر وخروج جماعي لأبناء شعبنا كان أشبه بتظاهرة، كان كل ذلك كافيا لأن أتوه عن أهلي، أصرخ فلا أحد يجيبني، أنزل إلى أرض الوادي ثم أصعد أفتش عنهم، أشواط غلبني التعب فيها، لم يعد أمامي إلا اللحاق بالناس، أيام وليالٍ موحشة مرت حتى عمد مختار الجش إلى جمع الضائعين، إلى أن علمت بأن أبي عاد من منطقة بنت جبيل اللبنانية التي كان قد وصلها مع أمي وإخوتي باحثا عني".

"من بنت جبيل إلى مارون الراس فمنطقة البرج الشمالي في صور ثم عنجر فنهر البارد،  سنوات طويلة سكنا الشوادر، لطالما غلبنا الهواء فطارت أو وقعت على رؤوسنا، فكان أبي الذي يعمل في البناء يسندها بشجر الحور" تشير أم عبد.

تزوجت الحاجة أم عبد في مخيم نهر البارد، وانتقلت مع زوجها علي الحج علي إلى منطقة حرش ثابت في بيروت (على أطراف مخيم شاتيلا) وقد رزقا بثمانية أبناء.

كانت أم عبد تسكن في شاتيلا حين بدأ الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، وقعت المجزرة فتفرق أولادها، لجأت مع بعضهم إلى بيت السفير الجزائري، تقول: "ما إن انتهت المجزرة حتى رحت أفتش عن أولادي فكانت ثيابي تعلق بجثث الضحايا في الطرقات التي امتلأت بهم، لقد قاموا بجرفهم  مع الحجارة والتراب".

 نجاة عائلة أم عبد من المجزرة لم تعفها من حروب لبنان التي راحت تخطف أولادها بالتوالي ..في أواخر عام ١٩٨٤ زارت أم عبد ابنها أحمد (١٨ عاما) المنتمي إلى جبهة النضال الشعبي في منطقة جلالا في البقاع، ما إن وصلت بيروت حتى باغتها خبر عاجل بث على شاشات التلفزة أن أحمد استشهد إثر انفجار هناك.

تتابع: "وقعت حرب المخيمات، في عام ١٩٨٦، كان عمر ابني محمد ١٦ عاما حين استشهد مع كل من كان في بناية مخللاتي التي تم تفجيرها .. أربعون يوما مضت، لتسقط إحدى القذائف خلف منزلنا فتتناثر الشظايا من إحدى نوافذه فتصيبني وكل أفراد عائلتي بإصابات مختلفة، استشهدت ابنتي منى (20 عاما) التي كان قد مضى على زواجها عشرون يوما. وأصيب ابني سمير (٨ أعوام) في رأسه إصابة خطيرة.

تضيف: "قدم الرئيس الفرنسي يومذاك فرانسوا متيران العلاج لـ٣٠ طفلا، سافرت مع سمير ومكثنا ٣ شهور في أحد المستشفيات الفرنسية، أجريت له فيها عمليتان حتى تعافى بالكامل".

يُرفع الأذان فتقوم أم عبد لتؤدي صلاتها ثم تستأنف الكلام : "لم ننته بعد، ففي عام ١٩٨٨ استشهد ابني الأكبر عبد مع رفاقه الستة في المخيم جراء قذيفة سقطت بينهم، كان يوم عيد ميلاد ابنته وزوجته حامل في شهرها الرابع".

  ألم محبوس تحت طيات قلب أم عبد يخرج من بين أنفاسها وهي تردد: حتى سمير الذي عالجته في فرنسا لم يبق لي .. ففي عام ١٩٨٩ وبينما كان يلهو خارج المنزل، انفجرت قذيفة بين يديه أدت إلى استشهاده (11 عاما)، حينها لم أكن بحاجة لأحد أن يقول لي إن الانفجار أصاب ابني فقد أدركت وحدي ذلك وصرخت باسمه لحظة وقوعه".

بوجع كبير تستذكر أم عبد زوجها: "بعد كل هذا مات زوجي في عام ١٩٩١، شرب حسرة أولاده كلهم وتجرع الهموم برئته وكبده فأصيب بالسرطان ورحل".

بقي لأم عبد ثلاثة أبناء كانوا أيضا قد أصيبوا بالانفجار الذي سقط على منزلهم، معين متزوج ولديه أولاد، يسكن وعائلته في منزل واحد مع أمه وهو قد فقد السمع والبصر في إحدى عينيه، بينما يعيش منير في السويد، ومنيرة التي ما زالت تعاني من استئصال كبدها متزوجة وتعيش في لبنان.

وأم عبد هي ابنة حركة فتح التي تفاخر بالانتماء لها، تقول: "ما زالت ومهما بلغت التحديات، هي المرأة الفلسطينية المناضلة التي لم تكن الويلات تمنعها عن إغاثة شعبها في المخيم أثناء الحصار، فكانت بين ثيابها تهرب كل ما يحتاجه صمودهم، وهي الأم الفلسطينية في عيدها، أي كلمات  توفي وأي هدايا توازي؟!.

 خجلت من دمعها ..من صبرها وصلابتها ..من لوحة شخصت أمامي على مدخل منزلها  خُطت عليها خريطة فلسطين بعبارة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".