عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 26 تشرين الأول 2015

إنزلوا عن الجبل (الحرم) - هآرتس

بقلم: حبيبة فاديا

هناك مبدأ اساسي في اليهودية يقول إنه يمكن وقف تنفيذ قانون ديني لمصلحة قانون ديني أهم منه، وقد تم فعل ذلك في السابق بسبب وضع طوارئ لدى الجمهور.

ايام السبت مثلا، أُلغي القانون الديني وتم اختراق حرمة السبت من اجل المسيحانية، ومسيحانية الحرم اليوم قد تهدم ليس فقط جميع القيم اليهودية، بل المنطقة كلها.

في وضع الطوارئ الحالي لا نستطيع الاهتمام فقط بالمطالبة بوقف الاحتلال ومنع ذهاب اليهود الى الحرم. بل إن التدهور خطير جدا حيث إن كل محاولة نقاش يهودية داخلية من اجل وقف الانجرار هي أمر الساعة الملح. اضافة الى ذلك مطلوب مسيحانية جديدة تستند الى الامتناع عن الذهاب الى الحرم. يجب التخلي عن موضوع الحرم من اجل انقاذ اليهودية كلها. التي تبتلعها السياسة. ومن اجل انقاذ اسرائيل كدولة وكسيادة من خطر الدمار الاخلاقي من الداخل وخطر الارهاب من الخارج.

في التاريخ القصير لهذه الآونة، اسرائيل هي التي تحتل، وفي التاريخ البعيد – ثلاث سنوات قبل اقامة الدولة في عام 1948، وبعد ذلك احتلال عام 1967 – هذه مرحلة اخرى في سلسلة المواجهات التي لا يمكن تجنبها بين اليهود والمسلمين، وتم تحضير هذه المرحلة في اوروبا قبل أقل من مئة عام، ونظرا لهذه المراحل الزمنية فانه لا يمكن الحديث عن نوعين من الجماهير بدون الحديث عن الوعي الجماعي، ومعنى الوعي ايضا غير المعروف.

نحن نتناول غير المعروف للجسم السياسي الاسرائيلي، هذا غير المعروف هو ديني سياسي. ايضا اللامعروف بالنسبة للفلسطينيين هو ديني سياسي. وكارثة هذين الجمهورين هي أن غير المعروف الاجتماعي لديهما هو غير معروف دينيا وسياسيا. وهو في مرحلة ازدياد متسارعة رغم أنه لا يوجد اقرار بذلك. حسب المفاهيم الماركسية يمكن مقارنة غير المعروف مع بنية عليا (وهذا تجاوز للتفكير الماركسي)، هذه البنية العليا غير مهملة، وانما فاعلة لدى طرفي الصراع.

 

بنية عليا فاعلة ومفعلة، لأن منشأ الجمهورين مقرون بالمأساة. متشابكان مع بعضهما البعض في علاقة المحتل مع الواقع تحت الاحتلال. الطرفان يستندان الى بنية اقتصادية ضعيفة، واحد بسبب الاحتلال والآخر بسبب جيل كامل من العائلات التي تنجب الكثير من الاولاد وتبحث عن  شراء الاراضي والبيوت الرخيصة في المناطق، سواء تتبنى ايديولوجيا الاستيطان أم لا. وعلاقات التبعية الاقتصادية مستمرة: أدوات انتاج لا مخرج لها لذلك تتجه الى البنية العليا. ثم تعود بقوة لتصوغ من جديد اللامخرج الرمزي.

انتقال المضامين بين الاجيال، والمفاهيم والقناعات المرتبطة بالبنية العليا للوجود، او غير المعروف الاجتماعي له، يتسارع لدى المجموعات الموجودة في حالة من المعاناة المتواصلة. الضغط الذي يمارس عليها من الخارج يساهم مباشرة في بلورة الجانب المحافظ والجماهيري ووبلورة الوعي. أي اننا مشتركين جميعا في بلورة العنف والارهاب. في اسرائيل يتم اليوم انتاج نمط العنف. العملية الحادة بان تكون تحت التهديد للبيت ستؤدي الى المزيد والمزيد من الاخطاء، واعمال الفتك، ضد من تهمته الوحيدة هي منظره الغريب.

بالمفاهيم النفسية والاجتماعية، فإن اسرائيل التي تعطي اهمية للعمليات الاجتماعية بين الاجيال، موجودة الآن بصدام متطرف مع الجيل الثالث للاحتلال، وهذا الصدام يتصاعد لعدة اسباب: الشباب الفلسطيني يمر بمرحلة اتحاد لجمهور وهمي، هو اكثر علمانية من آبائه، الشباب الذي يتميز بالتسرع والتضحية بالنفس، منكشف على الفيس بوك حيث تتم الثورات اليوم عن طريقه.

انتشار ظاهرة السكاكين لم تفاجئ اسرائيل فقط بل كبار مؤسسي الحركة الوطنية الفلسطينية، وارهابيي الانتفاضة الاولى والثانية وحماس في غزة، من اليوم الاول للعمليات الارهابية فهمت – بسبب عمر الارهابيين الصغير– ان الحديث هو عن جيل الفيس بوك، وسبب ذلك ان الارهاب اندلع بدون ايعاز من احد. وقف وراءه ثقب اسود. حاول المحللون الاسرائيليون التهدئة من خلال القول ان الحديث ليس عن انتفاضة وانما "هبة"، ولكن هذا لا يطمئن لان هذا الثقب الاسود هو شفافية للفراغ الذي كبر في داخله الشباب الفلسطيني، ولا ضمانة بان العنف النابع من الفراغ يكون اكثر ليونة.

اضافة لذلك، لوحظ سكوت الآباء تجاه هذا الامر، جمهور عامل يعي الاحتلال والوضع القائم ويخاف على اولاده، الثقب الاسود للشباب العلماني المتعطش للحرية والفراغ بالفرص يتم تشغيله اكثر فأكثر من قبل الثقب الاسود للعنف الديني الاصولي. والنتيجة المتداخلة تكون أكثر دمارا.

اضافة لذلك، في المفترض الذي تلتقي فيه الجوانب الوهمية للقومية والفيس بوك، لا يمكن عمل الكثير من أجل تفكيك العلاقة بين التعطش للحرية والاصولية الدينية، ويضاف لذلك عنصر ثالث: دم الضحايا، الذين هم عمليا اولاد وشبان، الذي يفتح دائرة للانتقام الذي لا يمكن توقع نهايته. هذين الجانبين الوهميين القاتلين – القومية والشبكة الاجتماعية – يوصل بينهما الحرم: الايقونة المطلقة التي تسيطر على الوهم وتتحول الى لب الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني ككل. برميل البارود الذي يربط بين من يشعرون انهم الضحايا بغض النظر ان كان هذا صحيحا ام لا، وهو الذي يربط بينهم في الحياة والموت. بالمفهوم النفسي ان تراجع اللاوعي الجماعي يمكن أن يؤدي الى انتكاسة تاريخية وسفك للدماء.

الامر المقلق هنا هو تحقق توقعات نهاية العالم، واذا كان النموذج في بداية القرن هو الافلام التلفزيونية حول انهيار المباني والابراج – 11 سبتمبر 2001 – فان احداث اكتوبر 2015 الارهابية تتم عن طريق الفيس بوك.

إن استخدام الشباب عن طريق الفيس بوك هو طريقة جديدة وحديثة قياسا بالطريقة التي تم استخدامهم بها في حرب ايران والعراق. رغم أن الشعبين متورطين في صراع اقليمي عميق والذي يمكن تسميته سياسيا "علاقة المحتل والواقع تحت الاحتلال"، واذا ركزنا على الحرم فقط فسنكتشف أن الحديث يدور عن قطبين، ضاربين ومضروبين. الحوار النفسي الاجتماعي يستدعي مطلب أن يبدي الاولياء المسؤولية تجاه الصراع القومي. والتعبير عن  هذه المسؤولية يكون بواسطة كبح وسائل الاتصال والتمويل المكثف لمجموعات الحوار في جميع الاوساط.

المسيحانية تنمو، في حين أن مجموعة من الناس تصل الى طريق مسدود مثل تلك التي وصلت اليها اليهودية بعد خراب البيت الثاني. وهذا الامر يزداد حينما تصل الى طريق مسدود في الزمن. الاساطير المسيحانية تنشأ من اجل القفز من فوق الثقب الاسود لفقدان المستقبل. لليهود ولجماعة الحرم من الصعب فهم أن الفلسطينيين ايضا يشعرون هكذا، الاعداء الذين لا يرونهم كمن يعيش تحت الاحتلال، ومن الصعب على الفلسطينيين أن يحلموا أن الاحتلال يشعر بالضياع.

هكذا ولدت نهاية العالم في فترة خراب البيت الثاني. تم تدمير الهيكل وآمن الكثيرون أن نهاية المكان هي نهاية الزمان. انتظر اليهود خراب ثان شامل لاعدائهم الرومان. اليوم نحن موجودون في وضع اكثر تعقيدا حيث يشعر الطرفان بأنهما الضحية، وتُحركهما غريزة نهاية العالم ودمار الآخر. لا أحد ينتظر الله بل يعمل بنفسه.

في السنوات الاخيرة برزت في الواقع الاسرائيلي ظاهرة مناقضة لايام البيت الثاني: دمار اليشوف في مكان معين (غوش قطيف) الامر الذي أدى الى انسحاب عميق الى داخل الحرم. وازدادت معرفة الحرم الذي شكل تعويضا عن هيكل وهمي، وضياع المكان وازمة الهوية السياسية الانبعاثية. الانسحاب الى الهيكل هو نوع من البديل لغريزة العودة الى المصدر. في ظل غياب امكانية العودة الى المكان الاصلي المحدد تتم العودة الى المكان الاصلي المثالي. لكن المكان المثالي غير موجود فقط في التفكير وانما بشكل محدد. وهو عمليا الرمز لكل جالية من الجاليتين. بكلمات نفسية اجتماعية هذا هو الموضوع الذي يمثل كل جالية بحد ذاتها وكل واحدة منها تشعر بأنه يجسدها. لذلك فان الفجوة عميقة.

كيف يمكن مواجهة الطرد من المكان الذي كان موضوعا منذ البداية في اجندة العودة الى المكان؟ في ظل غياب امكانية العودة الى المكان الاصلي تنشأ لدى اليهود عودة الى المكان المطلق، الحرم كوعي اصلي. يهودا غليك، من رؤساء الصراع من اجل الحرم، انتقل مباشرة بعد اخلاء غوش قطيف الى الحرم، وهكذا بني العقد الذي حصل فيه مد فظيع في الارتباط بالحرم.

الشعور بأن كل شيء مسموح قد ينبع من اعماق الحرم الذي هو جبل الانكشاف المستقبلي. قد يقتنع المؤمن بقوة السيادة ويعلن بنفسه عن وضع الطواريء. بقوة الحرم. القوى السياسية لا تلعب دورا وانما تتقرب من هذه المشاعر، وبدلا من تقييد غليك وشركاءه فانها تزيدها الامر الذي سيعمل مثل السهم المرتد. ضد وجود دولة اسرائيل اذا لم يكن ضد الشرق الاوسط كله.

الشخص الذي ينفي الحزن على الانسحاب ويتجه في اتجاه المثالية ويرتبط بالدين والحرم، يعمل على تعويض نفسه، شعور بالقوة وشعور بالانبعاث. لذلك يعمل بدون قيود قد يفرضها الواقع. هذا مصدر الرغبة في بناء الهيكل الثالث الامر الذي قد يدمر المنطقة كلها.

مقابل ديناميكية الانسحاب من غوش قطيف وازدياد قوة جماعة الحرم فان الفلسطينيين ينسحبون الى داخل النفسية الداخلية والوعي الوهي. وعلى العكس من جدار الفصل فلا يوجد جدران في الشبكات الاجتماعية وانما يستطيع الفيس بوك بسهولة أن يشكل سلاحا لنهاية العالم. للفيس بوك ونهاية العالم يوجد امر مشترك – الرغبة في حصول الامور الان. الصور في الفيس بوك تستطيع أن تكون مصدرة للواقع المستقبلي وخلق الشعور ان تحقيقها قريب عن طريق تقوية الخديعة بأن المستقبل هو الحاضر.

تتم الحرب على الحرم. مكان محدد الذي هو ايقونة رمزية تؤجج الطرفين. نحن نخاطر في جميع المجالات في حالة نفسية مرضية جماعية وفي عملية سوف تخرج عن السيطرة.