عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 26 كانون الثاني 2026

الشائعات تشعل أزمة غاز مصطنعة في الضفة

طوابير المواطنين لملء الغاز في محطة بيتونيا غرب رام الله.

 

"المالية": الغاز متوفر في الأسواق بكميات تفوق المعدل الطبيعي ولا داعي للتخزين

*مصلح: محطات الغاز كانت تمتلك مخزونًا يصل إلى نحو 14 ألف طن إلا أنه نفد بسبب التدافع غير المبرر على الشراء

*محللون: تهافت المواطنين على أي سلعة أساسية يترك أثرًا مباشرًا وسلبيًا على السوق والدورة الاقتصادية

*ضبط السلوك الاستهلاكي هو خط الدفاع الأول لحماية السوق والمجتمع ودعوات إلى التحلي بالمسؤولية 

نابلس - الحياة الاقتصادية- ميساء بشارات- لم ينفد الغاز من الضفة  فجأة، بل تسلل الغياب على مهل، تحت ضغط الخوف، وسوء التقدير، وتهافت جماعي حول أسطوانات باتت تُشترى لا للاستخدام الفوري، بل للتخزين والاطمئنان الخادع.

مشهد الطوابير أمام محطات التوزيع لم يكن مجرد انعكاس لنقص مؤقت في الإمدادات، بل نتيجة مباشرة لحالة هلع غذّتها الشائعات.

في أيام قليلة، فرغت الأسواق من كميات كانت كافية لو وُزّعت بعدالة ووعي، لتتحول أزمة الغاز في الضفة من مشكلة عابرة إلى أزمة معيشية حقيقية طالت المطابخ والمخابز، وأعادت طرح سؤال قديم جديد:هل المشكلة في نقص الغاز… أم في طريقة تعاملنا معه؟

 

 

حالة من البلبلة

يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور ثابت أبو الروس لـ"الحياة الاقتصادية" أن تهافت المواطنين على أي سلعة أساسية، سواء كانت الغاز أو الطحين أو المحروقات، يترك أثرًا مباشرًا وسلبيًا على السوق والدورة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الأمر يبدأ غالبًا بردة فعل غير مدروسة تجاه أخبار غير دقيقة.

ويقول أبو الروس إن المشكلة لا تكمن فقط في نقص السلعة، بل في حالة البلبلة التي تنتشر بين الناس عند تداول الشائعات، خاصة في ظل أوضاع سياسية أو أمنية حساسة، حيث تتحول الحاجة الطبيعية للأسرة إلى حالة هلع استهلاكي.

وأوضح أن الغاز، والطحين، والمحروقات تُصنّف كاحتياجات عائلية أساسية، وعندما يندفع المواطن لشراء كميات تفوق حاجته الفعلية، فإن ذلك يؤدي إلى عدة نتائج خطيرة، أبرزها فتح المجال أمام بعض التجار لرفع الأسعار بدافع الجشع، أو إخفاء السلعة عن السوق انتظارًا لبيعها لاحقًا بأسعار أعلى.

وأضاف أن أخطر ما في هذا السلوك هو حرمان العائلات الأكثر احتياجًا من الحصول على حصتها، مقابل عائلات قامت بتخزين كميات زائدة عن حاجتها، ما يخلق حالة من عدم التوازن داخل السوق الفلسطيني، وينعكس سلبًا على الأداء الاقتصادي العام.

وفيما يتعلق بكيفية تعامل المواطنين مع الأخبار المتداولة حول نقص السلع أو التطورات السياسية، شدد أبو الروس على أهمية اتباع سياسة التحوّط العقلاني، موضحًا أن التحوّط لا يعني التخزين المفرط، بل شراء الحاجة الفعلية دون انتظار اللحظة الأخيرة، بما يخفف من حالة الخوف غير المبررة.

كما دعا إلى ضرورة استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية فقط، مثل وزارة الاقتصاد الوطني والجهات المختصة، باعتبارها الجهات الوحيدة القادرة على تقديم معلومات دقيقة حول كميات السلع المتوفرة في السوق.

وختم بالقول إن المسؤولية في الأزمات لا تقع على التاجر أو الحكومة وحدهما، بل تبدأ من وعي المواطن، مؤكدًا أن ضبط السلوك الاستهلاكي هو خط الدفاع الأول لحماية السوق والمجتمع من أزمات مصطنعة، داعيًا الجميع إلى التحلي بالمسؤولية حتى لا يتحول الخطأ الفردي إلى أزمة جماعية.

 

نفاد المخزون

يؤكد رئيس نقابة أصحاب محطات الغاز، أسامة مصلح، لـ"الحياة الاقتصادية"  أن أزمة نقص الغاز في الضفة الغربية تعود بالأساس إلى تقليص التوريد من الجانب الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن انقطاعًا في الإمدادات استمر نحو عشرة أيام خلال الفترة الماضية، ما أدى إلى استنزاف المخزون بالكامل.

وأوضح مصلح أن محطات الغاز في الضفة كانت تمتلك مخزونًا يصل إلى نحو 14 ألف طن، إلا أن هذا المخزون نفد بالكامل، لتصبح المحطات اليوم شبه خاوية من الغاز. وأضاف:

“حاجتنا الحالية للخروج من الأزمة تتطلب توريدًا بنحو 800 ألف طن يوميًا ولمدة أسبوع متواصل، أو على الأقل رفع وتيرة التوريد بشكل كبير خلال فترة قصيرة”.

وأشار إلى أن تهافت المواطنين على تخزين الغاز فاقم الأزمة، مؤكدًا أن هذا السلوك أدى إلى خلل في عدالة التوزيع، حيث حُرمت بعض العائلات من الحصول على الغاز مقابل قيام عائلات أخرى بتخزين كميات تفوق حاجتها الفعلية.

ولفت مصلح إلى أن الاستهلاك المرتفع خلال هذه الفترة مرتبط بعدة عوامل، أبرزها موسم المربعانية، والطقس البارد، والمنخفضات الجوية المتتالية، إضافة إلى الأوضاع السياسية الإقليمية، وما رافقها من شائعات عن حرب محتملة، ما خلق موجة هلع جديدة دفعت الناس إلى التهافت مجددًا على شراء الغاز.

وأضاف:“نحن أمام عدة عوامل تتراكم في الوقت نفسه: نقص التوريد، البرد الشديد، الشائعات، والتخزين المفرط… وكل ذلك يصبّ في تعميق الأزمة، وهي عوامل لا تملك المحطات السيطرة عليها”.

وفيما يتعلق بالأسعار، شدد مصلح على أن سعر أسطوانة الغاز محدد رسميًا بـ70 شيقلا للمواطن من أرض المحطة أو الوكيل، وفق تسعيرة الهيئة العامة للبترول، مشيرًا إلى أن أي بيع بسعر أعلى يُعد مخالفة قانونية تستوجب المحاسبة.

وأوضح أن أجور التوصيل تختلف بحسب المسافة، وغالبًا لا تتجاوز بضعة شواقل، مؤكدًا أن أي استغلال للأزمة من خلال رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه يجب أن يُواجه بإجراءات قانونية رادعة من الجهات المختصة.

وفي رده على سؤال حول إمكانية زيادة التوريد، قال إن الإشكالية لا تكمن في جاهزية المحطات، بل في محدودية الكميات التي يتم إدخالها، مضيفًا أن مضاعفة التوريد كفيلة بإنهاء الأزمة خلال أسبوع واحد فقط.

وختم مصلح بالقول إن عملية تزويد المحطات بالغاز، في حال توفر التوريد، تتم بسرعة، إذ يصل الغاز إلى المحطات في اليوم نفسه، مؤكدًا أن الحل الجذري للأزمة يبقى مرهونًا بتوفير كميات كافية ومنتظمة من الغاز، وضبط السلوك الاستهلاكي، ومنع الشائعات.

في السياق ذاته، قالت أمين سر جمعية حماية المستهلك رانيا الخيري إن مشكلة أزمة الغاز نتجت مع خفض الكميات الموردة من المصدر إسرائيل إلى أسواق الضفة الغربية. وتابعت في ان ما فاقم الأزمة هو تهافت المواطنين على تعبئة ما لديهم من اسطوانات بشكل كبير نتيجة المخاوف.

وقالت إنه من المفروض أن يكون هناك سياسة واضحة وتعليمات لمحطات التعبئة لضبط السوق جراء تهافت المواطنين.

"المالية": الغاز متوفر بكميات كافية

بدورها، أكدت  وزارة المالية في بيان لها ان الغاز متوفر بكميات كافية، ولا داعي للتخزين. وطمأنت وزارة المالية  بأن كميات الغاز متوفرة في الأسواق وتفوق المعدل الطبيعي.

واوضحت انه خلال الأسبوع الماضي، تم ضخ 600 طن يومياً، وهو ما يعادل تعبئة 50,000 جرة غاز يومياً. وهذه الكميات كافية لتلبية احتياجات الجميع إذا التزمنا بالاستهلاك المعتاد.

وأكدت المالية على أن التخزين الزائد يعني حرمانا للآخرين للتزود من احتياجاتهم.

ودعت إلى عدم التخزين غير المبرر، لضمان حصول كل مواطن على حصته العادلة.

وأكدت الوزارة أنها لا تسمح بالاستغلال، مطالبة المواطنين في حال مواجهتم  أي محاولة لرفع الأسعار عن السعر الرسمي أو التلاعب في الوزن، التبليغ فوراً على الرقم المجاني لحماية المستهلك 129.