الشقيقة المنتظِرة..!
بيت لحم- الحياة الجديدة- أسامة العيسة- خمس ساعات حولت عبير الخطيب، من آملة بالإفراج عن شقيقها الأسير داود، لتنهي فترة انتظارها الطويلة، وكأنها تتسربل بزي يخنقها، ويلتئم شملهما، إلى منتظرة لتسليم جثمانه، بعد استشهاده قبل نحو ثلاثة أشهر من الإفراج عنه.
ارتبطت عبير بداود، الذي يكبرها بخمس سنوات، منذ ولدا ونشأا في بيت واحد في بيت لحم القديمة، لعائلة لجأت من قرية عين كارم، غرب القدس، وشهدت اعتقالات شقيقها الفتى المتكررة خلال الانتفاضة الأولى، وطالما ركضت خلفه في شوارع المدينة، لتطمئن على الفتى راشق الحجارة، وتتأكد من عدم وقوعه بقبضات المحتلين.
تتذكر عبير: "كنت أراه وهو يضع اللثام، ويخرج إلى الشوارع، اعتقل ثلاث أو أربع مرات، وفي كل مرة كان يمضي شهورا أو سنة خلف القضبان".
لم تكن عبير الطفلة وحدها في الشوارع، فأمها عُرفت، خلال الانتفاضة الأولى الكبرى، كمخلصة الفتية من قبضات جنود الاحتلال.
عاشت عبير شهورا صعبة، خلال الانتفاضة الثانية، ومشاركة داود فيها، ضمن كتائب شهداء الأقصى، واختفائه، قبل اعتقاله، تقول إنه كان يساعد رفاقه المختبئين والمحاصرين بعد اقتحام بيت لحم في نيسان 2002، واستضاف العديد من الشباب في المنزل، وعندما يشعرون بقرب مداهمة الجنود، يختبئون في مغارة أسفل المنزل.
وتضيف: "داهم الجنود منزلنا فجأة، واعتقلوا جميع الشباب، قيدوا أياديهم، وعندما نزلوا بهم إلى الشارع، شخص أحد العملاء الذي كان يرتدي قناعا، داود، فأفرج الجنود عن باقي الشباب، واعتقلوا شقيقي، وكانت تلك آخر مرة أراه فيها في حارتنا".
رافقت عبير، داود، في محاكماته العديدة، حتى صدر عليه حكم بالسجن 18 عاما، وعندما انتهت المحكمة بهذا الحكم العالي الذي شكل صدمة لكليهما، أظهر داود معنويات مرتفعة، وصرخ باتجاه شقيقته وهو يُخفر إلى السجن: "عبيير...عبييير، ديري بالك على أمي وأبي، وعلى إخوتي".
توثقت علاقتهما خلال فترة السجن الطويلة، فهي كانت مأمن أسراره، وخططا، خلال المكالمات الهاتفية القصيرة المتوفرة، لحياة داود بعد الإفراج عنه. وعندما كانت سلطات الاحتلال تسمح لها بزيارته، كان اليوم الموعود، من أجمل أيام حياتها، كما قالت لـ "الحياة الجديدة"، وهي تجلس في إحدى غرف منزل العائلة، بجانب صورة كبيرة لداود، وصور أخرى، التقطت في السجن، تجمع داود بوالدته، وبوالده، وأُطرت هذه الصور على خلفية لمسجد عين كارم، تأكيدا رمزيا، على الحق في العودة إلى الديار.
تقول عبير: "حرمت من زيارات داود، لأسباب وصفها الاحتلال بأنها أمنية، وكانوا يسمحون لي بالزيارة كل سنة مرة واحد، ولكن بعد وفاة والدي، ثم وفاة أمي، انتظمت زياراتي لداود". وتضيف: "رغم صعوبة الإجراءات خلال الحواجز، التي يشكو منها أهالي الأسرى، إلا إنني كنت استيقظ في صباح يوم الزيارة، نشطة، متفائلة، حتى التقيه، ويلازمني نفس الشعور، حتى الدقيقة الأخيرة في الزيارة، عندما يعلن شرطي انتهاءها".
طلب داود، من عبير، أن تبني له بيتا، فبنته، كما تقول خلال ثلاث سنوات، وأشرفت خلال ذلك على كل التفاصيل، كما كانت تفعل مع طلباته المختلفة، وكان آخرها، تحضير جهاز خليوي، ووضع أرقام الأصدقاء والمعارف عليه، حتى عندما يخرج يجده جاهزا للاستخدام.
آخر مرة تحدثت فيها عبير مع شقيقها، كانت قبل خمس ساعات من استشهاده، استمرت المكالمة سبع دقائق، وكانت، كما تقول مفعمة بالأمل، قال لها: لم يتبق سوى 93 يوما، وغدا ستنقص يوما، وبعد غد ستصبح 91 يوما، لقد اقترب الموعد، أنا في حالة جيدة، المهم أنتم، ديري بالك على إخوتي.
وسألها، إذا كانوا في المنزل يحتاجون أي شي. كان يمارس دوره كأخ أكبر، قالت له: لا ينقصنا سوى خروجك، فقال لها بصوت يحمل الأمل: هانت يا عبير، هانت يا شقيقتي.
ولكن حدث، ما هو غير متوقع، كما روى لعبير زملاء لداود شهدوا ما حدث، فهو كان يلعب الشطرنج في الغرفة، مع رفاقه، ثم دخل ليتوضأ وخرج ونوى لصلاة العشاء، فسقط، طلب منه رفاقه أن يرتاح ويشرب ماء، ولكنه طمأنهم، ونظر في وجه كل المحيطين به، وأراد مواصلة ما بدأه، فسقط في الركعة الأولى.
تتدخل في الحديث فريال، شقيقة داود: "صرخ الشباب على إدارة السجن، ليسعفوا شقيقي، ولكن الإسعاف تأخر، نعتقد أنه خرج من غرفته مستشهدا". تقدر عبير وفريال، إن التأخير كانت مدته ست دقائق، ولو أسرعوا في عملية إنعاش داود، لربما نجا.
تتذكر الشقيقتان، تأكيدات داود، بأنه عندما سيخرج من السجن، سيعوض إخوته وشقيقاته عن كل ما فات. تقول عبير: "كان يوصيني دائما، بأن أقدم العيدية، في مناسبات الأعياد، لكل شقيقاتي، ولأبنائهن، وهو ما كنت أفعله، مثلما فعلت ما طلبه مني، طوال 18 عاما. عشت أنتظر خروجه، والآن أنتظر تسلم جثمانه، وسأنتظر لاحقا، ما سيجمعني به في مكان آخر، لا يكون فيه احتلال يحول بيننا".
مواضيع ذات صلة
الرضيع الذي دُفنت قدمه مع أمه
جنوب جنين... هوس احتلالي بالعنف والنيران
الاحتلال يمنع القيادي في مقاومة الجدار والاستيطان صلاح الخواجا من السفر عبر معبر الكرامة
سفراء وقناصل يؤكدون من الخان الأحمر دعمهم للمقدسيين في مواجهة سياسات الاحتلال
مستوطنون يقطعون أشجار زيتون والاحتلال يقتحم دير أبو مشعل
الاحتلال يواصل اقتحام بير الباشا ويداهم عشرات المنازل
الاحتلال يخطر بوقف العمل والبناء في 6 منازل جنوب الخليل