عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 08 أيلول 2020

في فلسطين..الصحفيون ينتصرون لإنسانيتهم

أيهما يعلو مدونة السلوك المهني أم الواجب الإنساني؟...مختصون يختلفون حول الإجابة

رام الله – الحياة الجديدة-ميساء بشارات- لم يتوقع الصحفي ناصر اشتية (48)عاماً عندما خرج من منزله في بلدة سالم شرق نابلس، ليصور مسيرة سلمية رافضة للمشروع الاستيطاني لإقامة مدينة صناعية على أراضي جبارة وشوفة قضاء طولكرم، أنه سيترك كاميرته ويبدأ بفك رجل من بين أيدي جنود الاحتلال.

تركوا كاميراتهم من هول المشهد

اشتية الذي قضى (30) عاماً في العمل الصحفي، وتوثيق مئات الأحداث والفعاليات بعدسته، انتصرت انسانيته على عمله الصحفي عندما شاهد الموقف ولم يستطع تحمله.

تعرض الحاج خيري حنون من بلدة عنبتا شرق طولكرم، أثناء مشاركته في مسيرة سلمية ضد استيلاء الاحتلال على أراضي المواطنين في قرية شوفا جنوب شرق طولكرم، لاعتداء وحشي من قبل جنود الاحتلال في مشهد يرجع للأذهان ما تعرض له المواطن الأميركي جورج فلويد على يد شرطي عنصري.

يقول اشتية: "عندما شاهدت حنون بين أيدي الاحتلال حسبته بمقام والدي، فقد اعتدنا أن نراه شامخاً في الفعاليات والمشاركة في الوقفات والمسيرات ضد الاستيطان، فلم أستطع تركه وحده في مجابهة الجنود، لتسقط الكاميرا عن عيني، وأسرع في محاولة تخليصه من الجنود".

يضيف: "هول المشهد دفعني للتدخل التلقائي دون أي تفكير مسبق".

ويرى أن وظيفة الإعلام الأساسية هي نقل الواقع كما هو، بموضوعية وحياد دون تحيز، لكن في بعض المواقف تطغى الإنسانية على العمل الصحفي، فيجد الصحفي نفسه جزءاً من الحدث، أو يهب للمساعدة، وهو ما لا يخالف أخلاقيات المهنة.

وانتشرت فيديوهات لصحفيين وهم يصورون المسن حنون تحت قدم أحد جنود الاحتلال، وعندما أغمي عليه في السيارة، وهو بين أيديهم محاولين اعتقاله، أثار ذلك غضب رواد التواصل الاجتماعي وانهالت الشتائم على الصحفيين معتقدين أن الآخرين لم يقدموا المساعدة للحاج حنون.

لكن في المقابل، انتشرت أيضا فيديوهات وصورا لبعض الصحفيين وهم يدافعون عنه، محاولين تخليصه من جنود الاحتلال المدججين بالأسلحة.

الصحافة رسالة إنسانية

من جانبه، يقول مدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" عمر رحال، إن الصحفي سواء فلسطيني او غير فلسطيني لديه رسالة وهي رسالته الانسانية، والصحفي يعمل من أجل نقل الحقيقة من عين المكان، وبالتالي عندما يتصرف الصحفي بحيادية فقط في القضايا التي يجب أن يكون فيها حيادي، ولكن الصحفي الفلسطيني على خط المواجهة الأول.

ويضيف: "يقتل الاحتلال العديد من الصحفيين الفلسطينيين، ويعتقل ويجرح العديد منهم أيضا، كما اقتحم وخرب العديد من المؤسسات الصحفية الفلسطينية، وبالتالي هذا الصحفي المحمي بالقانون الدولي، لا يكترث الاحتلال بذلك ولا يهتم بالصحفيين ولا المسنين أمثال خيري حنون الذي كان يعبر عن رأيه سلميا لمواجهة غطرسة الاحتلال ومستوطنيه بمصادرة اراضيهم واقتلاع الفلسطينيين منها.

ويتابع: "نحن نحيي الصحفيين الذين يحملون وينقلون الحقيقة والأحداث من عين المكان لنقول للعالم أن الاحتلال الغاصب يعتدي علينا، وأعتقد أن هذا الصحفي حتى لو كان يعمل مراسلا حربيا ووجد أمامه جريحاً أو امرأة أو شاباً ويريد المساعدة فعليه تقديم المساعدة والخدمة والحماية لهذا المحتاج".

ويوضح أن الكاميرات وثقت الاعتداء عندما كان هناك اعتداء مباشر من قبل مجموعة من الجنود المدججين بالأسلحة، مشيراً إلى أن واجبه أن يقدم الخدمة ولا يوجد صحفي حيادي هناك صحفي لديه رسالة ورسالته أيضا إنسانية، وهي تقديم الخدمة والمساعدة.

ويصادف، السادس والعشرين من الشهر الجاري الذكرى الـ24 ليوم التضامن العالمي مع الصحفي الفلسطيني.

وكان الاتحاد الدولي للصحفيين، أعلن عن هذا اليوم على إثر أحداث انتفاضة النفق في العام 1996، التي أصيب خلالها عشرات الصحفيين الفلسطينيين، خلال نقلهم صور الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان، وقواعد القانون الدولي الإنساني في تعاملها مع المواطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

حياة الإنسان أهم

من ناحيته، يؤكد نقيب الصحفيين ناصر أبو بكر، على ما ذكره رحال، ويشير إلى أنه يجوز تدخل الصحفي في الميدان، والصحفي لديه واجبات إنسانية، فعندما يرى أن حياة الإنسان أهم من الصورة ينتصر لإنسانيته لتقديم المساعدة.

ويشير إلى أنه بحالتنا الفلسطينية، الاحتلال يبحث عن أي سبب لقتل الصحفي وملاحقته وهو يقوم بدوره المهني بشكل دقيق جداً، فالصحفي مستهدف من قبل الاحتلال، وقد أصيب العشرات من الصحفيين من قبل جنود الاحتلال، فهم مستهدون دائماً، ولا يمارس الاحتلال الحيادية، لذلك نجد الصحفي يهب لنجدة الآخرين وقت الحاجة.

ويؤكد أبو بكر ضرورة تحمل اتحاد الصحفيين الدولي مسؤولياته تجاه الاعتداءات والانتهاكات التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق الصحفيين الفلسطينيين، مشيرا إلى أن هناك استهدافا ممنهجا للصحفيين في فلسطين، من أجل تكميم الأفواه ومنع نقل الصورة الحقيقية لما يتعرض له شعبنا في الضفة الغربية بما فيها العاصمة المحتلة القدس وكذلك قطاع غزة.

الصحفي صحفي والمتظاهر متظاهر

 لأستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت صالح مشارقة، رأي مخالف، مشيراً إلى أنه ضد تدخل الصحفيين في أي حدث يقومون بتغطيته، إلا إذا تعلق الأمر بحياة أو موت إنسان أو تقديم الاسعاف لشخص جريح، مؤكدا أن إنسانية الصحفي يجب أن تعلو على مدونة سلوكه المهني، بتقديم الحماية والاسعاف للآخرين إذا استطاع ذلك.

ويشدد مشارقة على انتمائه للمدرسة التي تمنع تدخل الصحفيين في حماية المتظاهرين من أي حدث كان؛ سواء داخلي أو خارجي، لأن الصحفي صحفي والمتظاهر متظاهر ويجب فصل الصفتين حتى نقول إن التغطية الاخبارية حيادية.

ويشير مشارقة إلى أن الصراع العربي الاسرائيلي يدخل الصحفي الفلسطيني في معضلة حول تصرفهم في لحظة المواجهات بين الفلسطينيين والاسرائيليين، لذلك على الصحفي أن يبقى صحفيا، حتى في لحظة الصراع الحربي.

ويرى أن مهنة الاعلام كأحد العلوم الانسانية، يجب أن تحافظ على الحياد والموضوعية في الممارسات الصحفية كي تظل مهنة مستقلة.

الصحفي ناقل للمعلومة

من جهته، يشير رئيس لجنة أخلاقيات وقواعد مهنة الاعلام في نقابة الصحفيين حسام عز الدين، إلى أن الصحفي هو ناقل للمعلومة، وعليه اعطاء المعلومة للرأي العام ليحكم كما يشاء.

ويؤكد عز الدين أن التزام الصحفي بأخلاقيات المهنة وبمدونة السلوك المهني سيوفر له الحماية ويبعده عن المساءلة القانونية، ويخرج بمادة صحفية متكاملة. لكن في واقعنا الفلسطيني يعتقد بعض الصحفيين أنه ثوري أو جزء من الحدث، وهذا لا يجوز ويتنافى مع أخلاقيات وقواعد العمل الصحفي الاعلامي، لأن الصحفي يجب أن يقف محايدا لنقل الحدث كما هو دون التدخل فيه.

وينوه إلى أن الإعلام مهنة لها قواعد واضحة، ويجب التفريق بينها وبين الناشط الحقوقي أو المشارك في المسيرات، فالمدونة منعت تدخل الصحفي وطالبت الصحفيين بالوقوف موقف الحياد عند تغطيتهم للأحداث.

ويبقى تدخل الصحفي في الحدث وانتصار انسانيته في بعض المواقف على عمله الصحفي محط جدل واختلاف بين الصحفيين والشارع والنقابة والوكالات الأجنبية والمحلية على حد سواء.