البحث عن وطن
عفيف شليوط

طرق الباب وخرج . غاب وسط الزحام دون أن ينظر الى الوراء . تمنى لو يمحو تلك الفترة من ذاكرته ، لو ينسى .. آه لو يستطيع أن ينسى . هل يمكن أن يكون كل ما كان زيفاً ورياء؟! هل يمكن أن يسلخ الإنسان جلده ؟!
دخل الى مكان لم يدخله من قبل ، والتقى باشخاص لم يلتق بهم من قبل ، شعر بالغربة ولم يشعر بالراحة عندما دخل هذا المكان هارباً من ذاته ، من فكره ، من كل ما كان . وجوه غريبة ، ضحكات هستيرية بلا معنى . فرقة موسيقية تعزف موسيقى صاخبة وشاب يقفز ويقوم بحركات لا معنى لها ، ويحرك فمه فيخرج أصواتاً غريبة علم فيما بعد أنها كانت من المفروض أن تكون غناء .
خرج من هذا المكان دون أن يطرق الباب. خرج دون أن يغضب. خرج دون أن يرتاح.
عاد الى غرفته باحثاً عن كتبه وأوراقه .. جمعها خارج الغرفة ، أخرج عود ثقاب ، أشعله ثم رماه بهدوء بارد على كومة الكتب والأوراق المليئة بالأوهام ، إرتفع لهيب النار وارتفع وارتفع ، وتمايل ورقص على أنغام احتراق الكلمات . همدت النار وتناثرت بقايا الأوراق المحترقة ، ولكن لم تهمد النار الملتهبة في داخله . نظر الى كومة الأوراق ، النفايات المحترقة ، حدّق طويلاً ، ثم غادر المكان دون أن يرتاح .
صعد الى أعلى الجبل المطل على قريته ، نظر وتأمل ثم بكى وبكى الى أن أجهش بالبكاء ، أراد أن يغسل بدموعه كل شيء ، لكنه لم يشعر بالراحة .
***************
انطلقت المظاهرة من قلب القرية الى مكان غير معروف ولسبب غير معروف ، لكنه شعر بحنين الى الماضي ، ودون أن يشعر وجد نفسه يسير بين الناس ، كانوا يصرخون ، يهتفون ... أراد أن يصرخ مثلهم كما كان يصرخ في الماضي .. لكن الصرخة تشنجت داخل أوتاره الصوتية ، تجمدت ، شلت . رأى أجساماً غريبة تتراكض حاملة رايات غريبة لم يشاهدها من قبل ... أجساما أخرى رفعت رايات أخرى .. تكاثرت الرايات ، تحركت الألوان وتداخلت ، كل لون أراد أن يصبغ المظاهرة بلونه ، وفي أوج معركة الألوان قرر أن يخرج منهم ، وعندما خرج هذه المرة شعر بالضيق .
*************
دعته اليها فقال ربما أجد الراحة لديها ، ارتمى عليها طالباً النجاة ، طالباً الراحة ، حضنته فشعرت بحرارة جسمه وبالعرق يتصبب منه . سألته عن السبب فاقترح عليها الرحيل ، سألته بفزع "والوطن"؟! نظر إليها بشفقة ولم يتمالك نفسه من السخرية قائلاً :" عن أيّ وطن تتحدثين . الوطن لم يعد للجميع ، الوطن لم يعد لنا ".
تركها مذهولة وخرج باحثاً عن وطن .
مواضيع ذات صلة
اختيار الفنان والسينمائي الفلسطيني الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"
"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم
محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"
نحن جيل هزمته الأيديولوجيا
"أصحاب الأرض".. حين تتحول الدراما إلى ذاكرة تقاوم النسيان
"البوكر" الدولية: الإعلان عن القائمة الطويلة للروايات المرشحة للجائزة