اعتذار إلى الشهيد الافتراضي: فادي درويش
كتبت: ليالي درويش

إن يوم الاثنين ليس مباركاً على الإطلاق، وآذار.. كل آذار ليس مباركاً. ساجي عاش ١٩ آذاراً كاملاً في حياته، لعب فيها الكثير من كرة القدم، ركب الخيل، مشى على الارض كثيراً وضحك لها وبضحكته وشبابه يأتي الربيع. لم يشفع هذا له! آذاره العشرين أمهله عشرة أيام فقط ثم سحبه تحت الارض التي يحبها.
كان يوم اثنين عادي. فجأة بدأت صفحات اصدقائي تنشر خبراً مفاده: "هناك شهيد في القرية! هناك شهيد! من هو؟ من هو؟"
الناس تتحمس بشكل غريب لتداول اخبار الشهداء. هناك فرح غير مفهوم بهذه الحالة الحزينة الطارئة، التي يكون بطلها شخص سيُفقد للأبد. والكل يتحولون إلى صحفيين ومراسلين ميدانيين، يمكنهم الجزم بموت أحدهم.. هكذا بكل بساطة، كل ما يحتاجه الجزم بالموت هو ان تكتب اسم الشهيد، واذا كان اسمه الثلاثي فسيكون هذا جزم الجزم.
أنا لست في فلسطين، أنا بعيدة ولا يمكنني ان اسمع صوت الرصاص ولا سيارة الإسعاف. ركزت أكثر في الأخبار وحاولت أن اتابع صفحات الصحفيين "الحقيقين" وكان قلبي يرتجف خائفاً على كل شباب البلد.
بدأ الصحفيون غير الحقيقيون يصغرون دائرة الشك.. بدأوا يحددون اسم الشهيد! هيا اكتبوا من هو! احزروا! اكتبوا وخمنوا ومارسوا الجدل حول من فقد قدرته على التنفس الليلة، من الذي توقف قلبه قبل قليل، من الذي سيدفن غداً، هيا خمنوا واكتبوا:
-الشهيد هو ساجي درويش
*لا لا سعد درويش هو يلي استشهد
~لا يا جماعة الشهيد اسمه فادي درويش من قرية مجاورة.
جفت عيناي بشكل غريب..امتلأتا بهواء الارض كلها، لا أفهم ماذا حصل. حرقة غريبة في العين، الخوف من ان تبكي وكل بكاء الارض محبوس داخلها.. البكاء تسليم بأن الموت حصل..لا لن ابكي، سأرتجف فقط وأن أغلق الفيسبوك وعندما أغلقه سيكون كل ما في داخله كذباً، أليس كذلك؟ انا لا أراه إذا هو غير موجود؟
ولكني لا أرى ساجي أيضاً الان فهل هذا يعني أنه هو أيضاً غير موجود؟ لا لا ساجي أجمل من أن يغيب لمجرد أنني لا أراه. أنتم حقاً حقاً لا تعرفون ساجي.. يا حبيبي كأني اسمع صوتك الان وانا اكتب عنك.
جفت روحي وانا أتخيل احتمالات الموت.. جفت للأبد. تمنيت أن يكون فادي درويش كائناً حقيقاً ويكون هو بطل هذه الليلة، ساجي وسعد أخوتي، أرجوك يا فادي كن حقيقاً وأحمل عنهما مهمة الموت هذه المرة فقط! وسامحني لأنني أتمناك ميتاً الان فهذا هو الحل الوحيد ليكون أخي حياً.. سامحني يا فادي درويش فأنا أحب أخي، أريده أن يبقى معنا. هذه أخر مرة أكون فيها أنانية يا الله! هذه اخر مرة أتمنى فيها ان يموت أحداً.. فادي مت أرجوك حتى يعيش لأمي ولحبيبته ولنا..أخي.
"حسناً سيموت فادي ويعيش ساجي" كان عقلي يمسك هذه الجملة ويهزها ويهزها حتى يهدأ..وانا اخرج مسرعة من حسابي الأزرق اللعين حتى لا أرى أي خبر يوقف اهتزاز الجملة في رأسي. عندها كتبت إحداهن بجزم وحزم وكأنها تتلو بياناً رسمياً لرئيس لا روح فيه:
"الشهيد هو ساجي درويش، صورته على تلفزيون فلسطين الان، شوفوها، افتحوا التلفزيون وشوفوها"
أنتِ كاذبة، وتلفزيون فلسطين كاذب والعالم كاذب، والموت كاذب! فكرة واحدة كانت صادقة "ساجي يتابع الأخبار الان، ساجي حزين من أجل فادي. ساجي بخير..ساجي بخير" لكنه ليس كذلك! هكذا كان ارتجاف جسدي يخبرني.. ونزلت دموعي.. نزلت لترحمني من لعبة الاحتمالات وتحسم الامر. ساجي ليس بخير. ولن نكون بعد ذلك اليوم أبداً بخير.
إن تسابق الناس لنشر أخبار الموت جعلني أقتل كائناً افتراضياً في عقلي اسمه " فادي درويش" انا أحمل ذنب موته، موته الذي كان أمنية قلبي الاناني اللئيم. ليس مهماً حقيقية وجود فادي المهم هو قوة أمنيتي بأن يموت فادي! يا لقلب الانسان ما أقساه!
الناس تتسابق لتنشر صورة الشهيد وتكتب " الله يرحمك" وهم لا يعرفون معنى الرحمة. الشهيد لا يحتاج دعائكم بالرحمة ولكن أمه تحتاج الرحمة من تخمينات الموت التي تتسابقون اليها. إرحموا من في الارض واتركوا من في السماء لإله السماء.
هل من "فادي درويش" حقيقي في هذا العالم.. يمكنه أن يصرخ الان ويقول لي: سامحتك بالانابة عن فادي درويش الافتراضي.. فليرتح ضميرك!
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين