فيلم نوح.. ثورة فنية تستهدف الرواية الدينية
كتب: عمار جمهور

فيلم نوح فيلم ملحمي ديني يتناول قصة "نوح" بمعالجة سينمائية تختلف عن الرواية الدينية لـ "نوح النبي"، ويضفي الفيلم عليها الطابع الاسطوري التاريخي الدرامي بمعالجة سينمائية مختلفة مرتكزة بالدرجة الاولى على السيميائية والدلالة الرمزية في الكثر من جوانبه وقضاياه، فيسردها في إطار تشويقي ودرامي جذاب، بعيدا عن الرواية الدينية المستمدة من الديانات السماوية، ولا سيما الاسلامية.
وجسد الفيلم الصراع الأزلي السرمدي بين الخير والشر وبين الرحمة والغفران، مستندا بذلك الى السياق التاريخي المستمد من العصور القديمة، وبالرغم من كونه اعتمد بالدرجة الاولى على قضية دينية الا انه ابتعد كثيرا في معالجته الدرامية والسينمائية عن النص الديني وشكل تمردا فلسفيا عليه، لاضفاء بعد فني مشوق.
وأظهر منذ بدايته في استعارة فنية خروج آدم وحواء من الجنة، عبر تجسيده مشهدية التفاحة والافعى، بالاضافة الى انزال الملائكة من الجنة ايضا في اشارة الى عصيانهم لإرادة الخالق، لتبدأ المعالجة السينمائية في محاورة الفكرة الجدلية بين المطيع لله والعاصي لإرادته، التي تقوم عليها فلسفة الوجود الآدمي.
ويحمل الفيلم دلالات كثيرة متمثلة بفناء الجنس البشري في مرحلة تاريخية معينة لعدم ايمانهم بالله، ولكفرهم بوجوده اصلا، بالاضافة الى دلالات متمثلة باظهار الخالق وكانه يحارب البشر، معتمدا بذلك على امره لسيدنا نوح بصنع سفينة، واخذ عائلته وزوجين من كل اجناس الحيوانات، ليغرق ما تبقى من الكفار بالطوفان، في اشارة الى غياب فكرة المغفرة والتسامح الإلهي مع البشر، والرمزية ذاتها تتكرر في مشهد محاولة "نوح" التخلص من حفيدتيه لارضاء الخالق، ويحاور "نوح" خالقه في محالة لاقناعه بالعدول عن قراره، وانه لن يستطيع تنفيذ ما اوحى له به.
لا يمكن النظر للفيلم وتحليله بعيدا عن خلفية المخرج وبطل الفيلم اللذين يرتكزان بمعتقداتهما على افكار الالحاد، ويعالجان الفكرة بطريقة مختلفة عن الرواية الدينية ومناقضة في بعض الاحيان لما جاء فيها، ووفقًا للدين الاسلامي فقد اخذ نوح في سفينته قومه الذين آمنوا به، الا ان الفليم لم يأت على ذكر ذلك او حتى الاشارة اليه، بالاضافة الى ان ابنه فرَّ منه الى اعلى قمة هربًا من الطوفان، في الوقت الذي اظهر الخلاف الذي دار بينه وبين ابنه، انه صعد معه على ظهر السفينة، ليضفي بعدا ملحميا في طبيعة الصراع الذي دار بينهما، وما ترتب على خيانة الابن لنوح عبر ادخاله ألدّ اعدائه الرافضين له ولرسالته، مظهرا انه لا يمكن اصلاح الجنس البشري عبر انتقاء الصالحين، والنفس البشرية بطبيعتها وتتضمن هامشا من الخير والشر، الا ان الاشكالية تتمثل في لحظة سيطرة اي منهما على الاخر.
الفيلم الذي قام ببطولته راسل كرو، من اخراج من دارين أرنوفسكي يأتي في سياق سياسي بامتياز، خاصة انه تعمد اخفاء المكان الذي دارت فيه القصة الحقيقية "نوح"، في اشارة الى اغفال الشرق كمركز للاحداث دون ادنى اشارة للشرق مهبط الرسائل السماوية، ليؤكد بذلك الرؤية الغربية التي تعتمد على تهميش الشرق لصالح الغرب، فيغيب الترابط المنطقي بين الفيلم والقصة الحقيقية من جانب، الا انه نجح في خلق عمل فني ثوري ومبهر عن سيرة سيدنا نوح من جانب آخر، وقدم رؤية سينمائية متداخلة ضربت عمق فلسفة الوجود الآدمي وعلاقته الدينية بالسماء، ليحولها الى اسطورة تاريخية.
يأتي العمل في اطار الفكر ما بعد الحداثي، الذي يعطي البشر امكانية منافسة الخالق، وقلب القضايا بصورة مختلفة عن شكلها الاصلي وصيرورتها المعرفية والتراكمية للقيم الحضارية في اطار موحد، ويظهر ذلك من خلال تصوير مشهدية ضرب البشر بوحشية بعضهم البعض، ويظهر وكأن "نوح" حرمهم من الحيوانات التي تعتبر ضرورية لبقائهم وديمومتهم، مظهرا مشهدية تركهم لمصيرهم دون شفقة او رحمة، كونهم لا يستحقون النجاة والحياة وفقاً لمشيئة الخالق وارادته، ويظهر الفيلم في مشاهد محددة وجنونية يقررون خلالها تحدي ارادة السماء ومحاولة الصعود الى السفينة عنوة، فيما ان الرواية الدينية مخالفة لذلك، اذ ان قومه هزأوا به وسخروا من فكرة الطوفان.
واظهرت المشاهد الملحمية في الفيلم ان البشرية تسير نحو العدمية عبر افناء الجنس البشري، حيث تتم معاقبة الضعيف نتيجة لأخطاء القوي، وتنحصر نعمة الخالق بالحيوانات على حساب الجنس البشري، وبالطريقة ذاتها تم اظهار الملائكة المطرودين من رحمة الخالق وتحويلهم الى حجارة الى حين توبتهم وعودتهم لعمل الخير، ويظهر الصراع والحوار بين ارادة الرب، واردة البشر وكأنهما ارادتان متماثلتان، حيث يظهر الفيلم في مشهده الاخير انتصار ارادة الانسان على مشيئة القدير، ويظهر حب الانسان للحياة ورغبته في البقاء على عكس ارادة الفناء.
هل كل ذلك كان مقصودا ووفقًا لفكر ومنهج واضحين؟ ام محاولة لتشويه الحقائق الدينية والروايات التاريخية لصالح الفن؟ من الواضح ان الفيلم يعمل على تكريس منظومة التجهيل المتبعة تجاه المشاهد والجمهور الغربي، خاصة فيما يتعلق بدور الشرق ومحوريته، معتمدا على تشابك القضايا والمعطيات لإيجاد حقائق مغايرة لما هو قائم اصلا، وهز المعتقدات الراسخة واستبدالها بمعتقدات فكرية تعمل على خلط المفاهيم ببعضها البعض، لانتاج وعي مشوه ومجزوء عن الاصل.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين