عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 14 أيلول 2015

مسرح القصبة .. يصرخ .. وحيداً؟!

ميس عاصي

" اعطني مسرحاً وخبزاً.. أعطيك شعباً مثقفاً "  شعار رفع على ابواب مسرح القصبة منذ اسبوعين و أكثر، يمر الناس بمحاذاته، ويلقون نظرة عليه، وتستمر الحياة، فهل يا ترى تعلق في أذهانهم معنى هذه الجملة؟! .

من هنا تبدأ الفكرة، حيث التلازم بين الثقافة والتربية، فلا تربية بدون ثقافة، فالثقافة لا تنمو ولا تتعمق إلا من خلال جو صالح، وهذا ما تسعى له خشبة المسرح، ولكن اذا فسد الجو الداخلي في المسرح فكيف يمكن أن تنشر هذه الخشبة الفكرة التي صممت من أجلها. فالفكرة في الأساس هي الثقافة فما من حركة إصلاحية في التاريخ مرت إلا وسبقتها فكرة، والفكرة هي الثقافة والثقافة تخرج من على خشبة المسرح .

ولكن حتى الآن لم يتم تسليط الضوء على خشبة المسرح بالشكل المطلوب، ولا حتى على الثقافة الموجودة في فلسطين، فما زالت الحكومة وغيرها من المؤسسات تهمش الأنشطة الثقافية ولا تلقي بالضوء عليها، على الرغم من أهميتها، وحاجتنا لها إلا أننا مازلنا ننظر اليها بصورة ساذجة، فإذا سألت المار عن المسرح قال لك وبكل صراحة" بطعميش خبز يا خيتا" .

كيف لا والمسرح هو الطريق إلى المعرفة والخيال والإنفعال والوهم والحرية التي لم نذق طعمها إلا على خشبة المسرح، فهو تداخل خصب بين الأفعال، بين التخيل والإستماع، بين الحب والكره، بين الأفكار والمشاعر والصور .

هو المؤسسة التي يمكن أن تحرك وجدان الجماهير في أحلك لحظات التاريخ، فهو الذي يخلق المقاومة في وجدان الشعوب ويدفعها للمقاومة والتحرر من كل المعتقدات والقيود الاجتماعية والسياسية .

وها هو ذا احد أهم وأعرق المسارح الموجودة في الوطن، يغلق أبوابه أمام الحاضرين، بسبب الأزمة الإقتصادية التي يمر بها، فما أحوج مسارحنا إلى التمويل الداخلي فقد قال المدير العام لمسرح القصبة السيد جورج ابراهيم " في بعض الأوقات كانت الحكومة تقوم بدعم بعض مشاريعنا بالمسرح، ولكن بعد تدهور الأوضاع قل المدخول على المسرح، وليس هناك دعم من قبل المؤسسات الرسمية في الدولة، وعلى الرغم من أن هذا المسرح من أكبر مسارح فلسطين، الا انه حتى الان لم يتم التوجه مباشرة لدعم هذا المسرح، وحجم العجز قد زاد عن الحد المطلوب، ولم يتم إعطاء الموظفين رواتبهم منذ خمسة شهور "

وأضاف " لقد قمت بالتوجه إلى كل المعنيين من وزارة الثقافة حتى الحكومة، ولكن حتى الان لم يتم المساعدة بشكل مباشر، فالمسرح بحاجة إلى دعم معنوي ومادي ليعود ويقف على قدميه، حتى الآن لم يتم التجاوب معنا من أجل دعمنا، حسب اعتقادي لا يوجد مسرح بحجم مسرح القصبة لا يدعم من الحكومة فمن واجب الحكومة دعم المسرح وعدم تركه تحت رحمة التمويل الاجنبي "

وكانت كلمته الاخيرة موجهَ مباشرةً إلى الحكومة ووزارة الثقافة "لا تتركونا بين أيدي المموليين الأجانب  .. أنقظوا مسرح القصبة "

كانت هذه الكلمة تخرج من السيد جورج ابراهيم وهي تحكي عن تاريخ كامل لمسرح القصبة الذي تأسس في سنة 2000 وحتى يومنا هذا وهو يقدم مسرحيات مميزة ومتنوعة، الآن ننظر إليه من الخارج فنرى أبوابه قد اغلقت، وموظفيه قد وقفوا احتجاجاً على عدم حصولهم على رواتبهم وقد قال في هذا الموضوع المدير التقني السيد معاذ الجعبة أحد موظفين مسرح القصبة لتلفزيون وطن "لم يتم دفع رواتبنا منذ اكثر من 5 شهور والبعض منذ 9 شهور، والإدراة تقول أنها غير قادرة على دفع رواتبنا، ونحن نطالب بأقل حقوقنا، وهو المعاش، وسنستمر بالإضراب حتى يتم تسديد معاشتنا"

أما بالنسبة إلى موظف آخر من موظفين المسرح الذي لم يعد قادراً على التحمل فقد بات يعيش على الدين قال ""صرت أمرق من قدام الدكان وأغير الطريق عشان ما يشوفني صاحبها.. مش قادر اطلع بوجه اكثر من 9000 شيقل بدو مني وكلو خبز واكل للاولاد.. وبتحكيلي ما اضربش "

يعيش مسرح القصبة الآن أسوأ أيامه، حيث هناك إضراب الموظفين، والأزمة المالية، ومازالت الهيئة الإدارية في طريقها تبحث عن مخرج آمن ، ولكن هل ستتمكن من حل المشكلة لوحدها، ومتى سيتم تسليط الضوء على الثقافة والمسارح الموجودة في هذا البلد وكما قال مدير مسرح القصبة "جورج ابراهيم" من المفترض أن يكون تمويل المسرح من قبل الحكومة، هذا اذا كان هناك ميزانية مخصصة للمشاريع والأنشطة الثقافية، فمن قال اعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً لم يقلها من فراغ بل خرجت لتنادي كل الشعوب ببناء تاريخهم وثقافتهم من خلال المسرح، الذي يعيد تطهير ما بين خفايا النفوس، ويفكك القيود  .ولكن للأسف فكما قال الكاتب عبد الرحمن منيف "إن بلادنا شديدة القسوة والبخل، لا تعترف للموهبيين والكبار التاريخيين بالموهبة الا بعد أن يغادروا، ولا تتصور أنها قادرة على تكرميهم إلا بعد أن يصبحوا أمواتاً" .

والسؤال الذي يطرح نفسه الأن اين المثقفين والفنانين في هذا البلد ؟ اين هو جمهور المسرح من كل هذا ؟ ولماذا حتى الأن لم يأتوا ويصرخوا مع مسرح القصبة "اعطني خبزاً ومسرحاً لاعطيك شعباً مثقفاً" حتى تصل هذه الصرخة إلى اذان المسؤولين في مؤسستنا الرسمية .

 

.