عاجل

الرئيسية » اقتصاد »
تاريخ النشر: 08 كانون الأول 2018

رجا سالم ..جسدٌ في الحاضر وروحٌ من الماضي

مواطن من بزاريا يحول منزله إلى متحف للتراث الفلسطيني

حياة وسوق

قصي حسين

 "انا أي إشي قديم مثل الدم بسري بعروقي" قالوا قديماً ومن مذهبي حب الديار لأهلها وللناس فيما يعشقون مذاهب ولرجا سالم "أبو محمد" من قرية بزاريا شمال غرب نابلس مذهبه الخاص في حب بقايا مَن رحلوا والاعتناء بالأثار والاطلال وجمع التراث، تراه في كل صباح بشعره الأبيض اللامع وكوبَ قهوته الدافئ يخصص ساعات من وقته للجلوس بين هذه المقتنيات في منزله الذي حوله إلى متحف للتراث الفلسطيني، وحين تسأله عن معناها يقول "هذا المتحف جهد خمس سنوات فهو عروق تسير في دمي، انا أي واحد بده يتلف التراث يبيعني إياه، هذا متحفي من كل قطر أغنية وانا أي سلك من تراث الإباء والأجداد عندي إياه مقدس".

تتناثر القطع الأثرية هناك وهناك أعمال فخارية قديمة، عملات، مسابيح متعددة الأحجام والأشكال، ميداليات، أوان منزلية، سلاسل، أدوات الفلاحة الفلسطينية، أما الحديث عن الأبواب الخشبية القديمة وآلات الاتصال فكل ضيف سيجد ضالته في بيت سالم، تراه وهو يحمل سيجارته من نوع "عربي" ويتحدث ليرسم لضيوفه حياة خلت ويستحضر أناس لم يعودوا بيننا حتى أنك تشعر دفء المكان من حولك وكأن حقاً أرواح مالكيها تلف المكان.

 وفي البيت الذي يتوسط القرية والذي خصصه لمقتنياته حرص رجا على عرض موجوداته وترتيبها بمجموعات متكاملة تسر الناظرين فالمناجل ونير البقر وعود الحراث ولوح الدراس والمُنخُل فالغربال والتي وضعها في زاوية خاصة اسماها بأدوات الفلاحة، وفي مكانٍ آخر يعرض أدوات الإضاءة من السراج إلى الفانوس مروراً بالقناديل التي تعمل بالزيت حرص رجا على ان تُضيئ متحفه كما كانت تعمل مذ آلاف السنين فيقول" هذه القناديل والبوابير إلي كانوا يستخدموها فقط للإضاءة يعني إذا الواحد بيجي عنده ضيف فقط كان يستخدم هذه اللوكسات والقناديل غير هيك كان يستخدم السراج يعني في الظروف العادية وهمي بالبيوت لوحدهم كانوا يستخدموا السراج الصغير ولكن يعني إذا الواحد بيجي عنده ضيف بالليل فبولع اللوكس إلي على الكاز فلما يشوفوه عن بعد يقولوا هيوا فلان عنده ضيف، وهذه البوابر كانوا يستخدموها ما كان في غازات ولا أفران كانوا يطبخوا عليها ويعملوا شاي وقهوة كل الحضارات القديمة كانت على هذا النمط  ".

وللجاروشة مكان ونصيب من ذكريات رجا فانتقل بي إلي جاروشة جدته التي وضعها على طاولة مرتفعة عن الأرض وقال " هذه الجاروشة إلي كانوا يجرشون عليها القمـح والشعير وغيرها من المواد " أمسكها بحرصٍ شديد وأنزلها على الأرض ثم ثنى ركبتيه وجلس وبدأ يحرك بها وكأنه بكل دورة يدور بها يعود للزمن القديم وقال" كانوا بالطريقة هذه يحطوا هون حب القمح شوي شوي ويطحنوا القمح بهذه الطريقة وكانت بهاي الصورة وتصدر نفس هذا الصوت" صوتٌ لا يمكن لأمهر كاتبي القصص أن يصفوه بالقلم فذاك الصوت فيه حياة.

وفي غرفة أخرى خصصت للقش ومصنوعاته من صوانٍ وجِوَن وأدوات أخرى كانت جرار الزيت حاضرتاً مع مصنوعات فخارية يعتبرها جزءاً اساسياً من التاريخ فكما قال المثل العربي " خلي الزيت بجراره تا يجي أسعاره".
منزل رجا الذي أصبح ملتقى لمن هم فوق الثمانينات في القرية فهم من عاصروا العمل بهذه الأدوات وعاشت معهم، يجلسون وكأنهم في فندق خمس نجوم تحسبهم في الثلاثين من عمرهم ترى البسمة لا تفارقهم وهم يتحدثون عن الزمن القديم، زمنٌ مضى ومضت معه هذه الأدوات لتصبح قصص يكتبها التاريخ وحين سؤالي الحاج محمد مصطفى صاحب التسعون عاماً عن شعوره بين هذه الأدوات فقد نظر إلي نظرتاً فاحصة بعد أن امتلأت عيناه بالدموع التي شعرت انه لا يريد لي أن أراها تسقط منه وأخذ نفساً عميقاً وقال عبارتا لم أفهمها إلى هذا الوقت "مِن بعد ما دشرنا تراثنا راحت القدس يا سيدي".

رجا صاحب الخمسة وخمسون عاماً طويل القامة ذا الشعر الأبيض اللامع أحب التراث منذ الصغير كان دائما ما يعتني به ويحافظ عليه تقول زوجته أم محمد " من يوم ما أخذته وهو ابن عشرين سنه وهو محتفظ بخنجر سيدو إلي أخذه من ابوه ما تقول إلى طفل وحامل لعبته، كان دائماً معاه وما يفارق خصره".

يحدثني رجا وهو مُتَكِئ على فرشة عربية ملتصقة بالجدار في وسط الغرفة عن ايامٍ خلت عن زمنٍ جميلٍ مضى فيقول" وين الأيادي إلي كانت تشتغل بهاي الأدوات كلهم راحوا بس ظلت آثارهم" أشار بسبابته اليمنى إلى الزاوية العلوية من الغرفة وقال" هذا رمز بغيظ العدو يجب أن نحافظ عليه كأبنائنا" مرة أخرى كسابقتها لم أدرِ ما القصد فدققت النظر فإذا بمفاتيح سته بعدد أحرف كلمة فلسطين أكلتها السنين وصدأة ما كنت أعلم أن أبو محمد يحمل في قلبه حسرات الغربة، ويقول فيها أشعار الغربة كلما ألقى عليه أحدهم السلام وسأله عن حاله، ليؤلم بكلماته كل من في الطريق رحل.

والآن بدأت أعلم ما سر جلوسه لساعات يومياً بين هذه المقتنيات لا يتوقف شريط ذكرياته عن اعتصار الآمنا وجراحنا كفلسطينيين لا يمكن له ان ينسى عام48 حيث كنا نعتقد اننا سنعود إلى بيوتنا، فهنا تجد حياة أناس رحلت وبقيت آثارهم ورجا الذي أحب التاريخ والماضي نجح بجمعها وترتيبها باحترافية تامة ليجسد حياة الماضي بصورة ناصعة جلية لينقلها للأجيال القادمة.

*هذه المادة تنشر ضمن مساق تدريبي في ماجستي العلاقات العامة المعاصرة بالجامعة العربية الأمريكية.