بئر السيّدة تمنح الحياة والأمل لمدينة الرعاة

بيت ساحور-الحياة الجديدة-أسامة العيسة-منذ سنوات، أصبحت أيّام ليديا عوّاد (65) عاما روتينية، ولكنها غير مملة أبدا بالنسبة لها. تذهب كل يوم إلى بئر السيّدة وسط مدينة بيت ساحور، حيث تشرف على الكنيسة الملحقة بالبئر، التي ترتبط بتقاليد تتعلق بالسيّدة العذراء.
تقول عوّاد، بانها منذ فقدت زوجها، قبل سنوات، وجدت الأمان هنا بجانب السيّدة العذراء، حيث تستقبل الزوّار من مسلمين، ومسيحيين، وزوارا أجانب.
تقع بئر السيّدة وسط مدينة بيت ساحور، وتُروى عشرات القصص عن مواطنين ظهرت لهم العذراء في المكان، واستجابت لطلباتهم.
في زمنٍ ليس ببعيد، شيدت عائلات بيت ساحور، مضافة إلى الجنوب الشرقي من بئر السيّدة، كان الناس، يجتمعون فيها لتداول أمورهم وفض مشاكلهم والتسلية العامة، وبُنيت حديثا ساحة عامة تستخدم لمناقشة قضايا الناس المختلفة.
الكنيسة الملحقة بالبئر تعتبر حديثة نسبيا، بُنيت في عام 1969، كما تذكر عوّاد: "البئر قديمة، مرتبطة بمرور العائلة المقدسة، خلال هروبها من هيرودس إلى مصر، شربت منها السيّدة العذراء، واروت طفلها يسوع المسيح، بعد تدفق الماء بطريقة عجائبية، وما زالت العجائب تظهر حتى الان، منها شفاء راهبة يونانية، من مرضها، بعد ان ظهرت لها العذراء وطلبت منها جلب ماء من هذه البئر، وبعد شفائها، تبرعت ببناء هذه الكنيسة عام 1969م".
وتضيف عوّاد: "أظهرت أعمال البناء الجديدة، وجود كنيسة قديمة في المكان، تم المحافظة على معالمها، كما يظهر الان. يتكرر ظهور العذراء في هذا المكان، في الأسبوع الماضي، كنتُ أُصلي مع آخرين، وفجأة سمعنا صوت آت من المياه، التي رأينها تموج، من آثار سير أحد فيها، فعرفنا انها العذراء".
تتميز هذه الكنيسة، بانها تابعة لثلاث طوائف مسيحية، ويؤمها أيضًا مسلمون، وحدثت عجائب مع المسلمين والمسيحيين. وتمثل بئر السيّدة العذراء نبض الحياة الروحية في المدينة، وتعبر عن وجدان السكان ومشاعرهم ومخاوفهم. وتختلف الصلوات في بئر السيّدة عن غيرها من أماكن العبادة الأخرى، فعندها يجتمع أبناء جميع الطوائف دون تمييز. المسيحيون والمسلمون، والأغنياء والفقراء والمحليون والغرباء والصغار والكبار.

يقول الدكتور قسطندي شوملي، الذي كتب دراسة عن بئر السيّدة: "عندما يسافر شخص إلى مكانٍ بعيد، يأتي إلى البئر، ويضيء شمعة، وأصبح كلّ مُقبل على عملٍ مهم، يطلب اضاءة شمعة له في هذا المكان، وخلال العمل في البئر، وجدوا آثار قدم، يقال بانها من آثار مريم العذراء، لأنها عندما جاءت تشرب ماءا لم يكن معها دلوا، فقالت: "يا بير فور فور..لشرب منك وغور"، فارتفع الماء فجأة وبعد أن شربت العذراء، عاد الماء منخفضا كما كان".
ويتذكر شوملي: "في فترة الانتفاضة الأولى، التي شكلت فترة صعبة للمسلمين والمسيحيين، كان الناس يجتمعون في السوق القديم، قرب البئر، من أجل التداول في قضاياهم اليومية، فظهرت العذراء، كما يقال، على جدار البئر، فجاءت جموع غفيرة من الناس، من جميع أنحاء فلسطين، ومِنْ الأردن، وأخذ المكان مكانة هامة لدى الناس، وأصبح رمزًا يجمع بينهم جميعا خاصة في أوقات الشدّة، خاصة ان البئر رمز للماء، والماء هو رمز للحياة. ونحن خلال العقود الماضية كنّا في حالة موت تحت الاحتلال، وكنّا في شوق وتوق للحرية وللحياة، البئر هي رمز للحياة، الاجتماع حول البئر من أجل طلب الحياة وزوال الاحتلال، البئر ترتبط بصورة مريم العذراء وهي امرأة، والمرأة شاركت بفعالية في الانتفاضة الفلسطينية وخاصة في بيت ساحور، ومريم العذراء كانت أوّل لاجئة، تذهب مع الطفل يسوع إلى مصر".
ويضيف: "ونحن أبناء الشعب الفلسطيني نعاني من اللجوء، اللجوء في كل مكان، فأصبح هذا المكان بمثابة بؤرة تجتمع فيها كل المشاعر الروحية والوطنية لأبناء المدينة. ستجد ان الجميع يرغب بالذهاب إلى هذا المكان، ويقام في مدينة بيت ساحور في كل عام مهرجان، أو دورة، أو مسيرة تقام في كل عام أواخر شهر آب يتم السير في جميع شوارع المدينة حاملين صور العذراء مريم، ثم يجتمع الناس بعد المرور على كل الكنائس والأحياء في بئر السيّدة العذراء، لإقامة الصلوات الدينية، وطلب الحرية، وزوال الاحتلال، وازالة الشدة التي يعيشها الناس، ولا زال هذا المكان يحتمل مكانة هامة بالجوار، حيث أُقيم ساحة خاصة لإقامة الاحتفالات والاجتماعات العامة وإذا طرأ طاريء في المدينة يجتمع الجميع إلى جواء بئر السيّدة، التي يعتبرها الناس تحمي المدينة وتحميهم عندما يجتمعون في هذا المكان".
في ربيع عام 2007، أُجريت ترميمات للبئر من الخارج، وما زالت الكنيسة والبئر تستقبلان المسلمين والمسيحيين الذين يوقدون الشموع للسيدة العذراء ويودعونها آمالهم وآلامهم وأحلامهم.