فكِّر فيَّ غداً أثناء المعركة
صدر حديثا عن المتوسط

لـ خابيير ماريّاس
صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط بإيطاليا، رواية "فكّر فيَّ غداً أثناء المعركة" للكاتب والروائي الإسباني "خابيير ماريّاس" وترجمة علي إبراهيم الأشقر. وقد أُخذ عنوان هذه الرواية من مسرحية ريتشارد الثالث لشكسبير، حيث تحل لعنة شبح الملكة آنّا على الملك الذي قتلها. لكن أحداث الرواية تدور في مدريد، وفي أيامنا هذه. وعلى لسان فيكتور فرانش، كاتب سيناريو للسينما والتلفزيون، ويترزق من كتابة المقالات له ولغيره. يتعرف فيكتور على مارتا. امرأة متزوجة تدعوه إلى بيتها حين يسافر زوجها إلى لندن للعمل. بعد أن ينام ابنها وبعد أولى القبلات بينهما، تصاب مارتا بوعكة صحية مفاجأة لتموت بعدها خلال دقائق بين ذراعي فيكتور.
يهرب ولكنه يظل عالقا في خيوط تتشابك مع حياة (لا عشيقته)، وأسير اكتشاف ماضيها، فيقرر اكتشافه ويمضي في متاهة من الأسرار لتتكشف له تدريجيا حالات لا تصدق وشخصيات تبدو غير واقعية، ولا أحد يبدو ما هو عليه.
الرواية هي رحلة تنقيب في أسرار القلب البشري، مليئة بالمفاجآت والدراما والانعطافات. وماريّاس بارع في المقارنة والتفصيل، أكثر من الصحافة الصفراء، ليظهر لنا الجانب الآخر من الحياة، الخفي والمتنكر. يقص علينا الخداع مُظهرا آلية حركته. باختصار تُرينا هذه الرواية الواقع الوهمي الذي غرقنا فيه.
جاء الكتاب في 384 صفحة من القطع الوسط.
من الكتاب:
لا يفكّر أحد قطّ في أنه قد يجد نفسه وامرأةً ميّتة بين ذراعَيْه، وأنه لن يرى وجهها، وإنما سيذكر اسمها. لا يفكّر أحد في أنّ أحداً قد يموت في لحظة بعيدة كلّ البُعد عن أن تكون موائمة، وإن كان ذلك يحدث كلّ آن، ونحسب أنْ لن يموت قربنا أحد إلا إذا كان موته مرتقَباً. فكثيراً ما تخفى الأحداث أو الظروف علينا. وكثيراً ما يُخجل الأحياءَ أو مَنْ يموت، إن كان على وعي، شكلُ الموت الممكن ومظاهره وسببُهُ أيضاً، سواءٌ أكان عسر هضم من أكل المحار أم لفافة مشتعلة عند النوم، فتحرق الملاءات، أو ما هو أسوأ من ذلك، صوف بطانية، أم انزلاقاً في الحمّام، أو على سقّاطة قفل ملقاة، ثمّ السقوط على القفا، أم صاعقة تقصم شجرة في جادّة كبيرة، وهذه الشجرة تسحق أو تحصد عند سقوطها رأسَ أحد المارّة الذي قد يكون أجنبياً؛ سواءٌ أكان الموت والمرء لابس جورَبَيْه، أم في محلّ حلاقة واضعاً مريلة كبيرة، أم في ماخور، أم في عيادة طبيب أسنان، أم عند أكل سمك، فيعترض الحلقَ عَظْمٌ، ثمّ الموت بالغُصّة كالأطفال الذين لا تكون أمهّاتهم قربهم، ليُدخلنَ إصبعاً، فينقذنهم؛ الموت وقد حُلق نصف الوجه، وما يزال الخدّ الآخر مملوءاً بالرغوة، فتظل اللّحية متنافرة حتّى نهاية الأزمان، إذا لم يتنبّه أحد لذلك، ويُكمل العمل بدافع شفقة جمالية؛ حتّى لا أذكر لحظات في الوجود هي أقلّها نبلاً، وأخفاها، لحظات لا يذكرها أحد بعد عصر المراهقة، إذْ لا توجد حجّة لذكرها بعد ذلك، وإنْ وُجد مَنْ يُنعشها، ليجعل ظريفاً ما ليس بظريف قطّ. لكنّ هذا (الموت) موت رهيب، يقال عن بعض الميتات؛ لكن (هذا) موت مضحك، يقال أيضاً وسط القهقهات. ترِد القهقهات، لأن الحديث يدور حول عدوّ، قُضي أمره أخيراً، أو حول أحدٍ ما بعيد، أحدٍ ما واجهنا ذاتَ مرّة، أحد يسكن الماضي البعيد منذ مدّة طويلة، كأن يكون إمبراطوراً رومانياً، أو أحد أجداد الأجداد، أو بالحَريّ أحد ما متسلِّط، يُرى في موته الفظّ الذي نتمنّاه في أعماقنا للناس جميعاً ونحن منهم، عدالةً ما تزال حَيّة، ما تزال بشرية؛ ما أفرحني بهذا الموت! ما أحزنني له! ما أحفاني به! أمّا الضحك، فحسبنا أن يكون الميّت إنساناً مجهولاً، نقرأ عن كارثته المضحكة لا محالة في الصحف. يا للمسكين! يقال وسط الضحكات؛ الموت كتمثيلية، أو كمشهد يُعلَن عنه، والقصص كلها التي تُروى، أو تُقرأ، أو تُسمع، يُنظَر إليها على أنها مسرحية، فهناك دائماً درجة من اللاواقعية في ذلك الذي نُعلم به وكأنّ شيئاً لا يحدث البتّة، حتّى الذي يحدث لنا، ولا ننساه. حتّى الذي لا ننساه.
خابيير ماريّاس:
روائي وقاصّ وكاتب تراجم ومترجم إسباني، وُلد في مدريد عام 1951، وعمل أستاذاً في جامعة أوكسفورد، وجامعات الولايات المتّحدة الأمريكية، وجامعات مدريد حالياً.
من مؤلّفاته الروائية: ممالك، والذئاب، وملك الزمان، والقرن، والإنسان العاطفي (نال عنها جائزة الرواية عام 1986)، كل الأرواح (جائزة مدينة برشلونة)، وقلب أبيض جدّاً (جائزة النقد) (صدرت عن المتوسط أيضاً)، و«فكِّرْ فيّ غداً، أثناء المعركة» التي حصدتْ خمس جوائز خلال عام ونصف العام بعد نشرها، وطُبعت خمس طبعات في السنة الأولى بين نيسان وأيلول عام 1994.
تُرجمت أعماله إلى الفرنسية، والإنكليزية (بريطانيا والولايات المتّحدة وأستراليا)، الألمانية والهولندية والإيطالية والبرتغالية والدانماركية واليونانية والنرويجية والرومانية والبولونية والسويدية والكورية.
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت