القانون الاساس.. الضم
معاريف – ألون بن دافيد

اللواء يئير غولان يبدو أنه لن يكون رئيس الاركان القادم. ليس لأنه ليس ملائما – غولان هو من الضباط اللامعين والشجعان في جيله – بل لأنه تجرأ على عمل ما لم يعد ممكنا في اسرائيل لاحد أن يعمله: فقد أعرب عن موقف قيمي لا يتطابق ورأي الحكم. اذا كان شك لدى احد في صحة ما قاله في حينه، حين قاله، فبعد الاسبوعين الاخيرين ينبغي الاعتراف بالفم الملآن: غولان كان محقا.
من اللحظة التي اطلق فيها رئيس الوزراء الاشارة يوم الاحد، انطلق وراءه كل فئران لوحة الحاسوب فأغرقونا بتيارات عكرة من العنصرية والقومية المتطرفة الظلامة. دعك من أن كل معارضي القانون صنفوا تلقائيا كيساريين، ان لم نقل خونة (وهذا على ما يبدو يتضمن ايضا اليساري الشهير موشيه آرنس والبروفيسور الن درشوفتس، الذي هو كما هو معروف رجل الصندوق الجديد). ولكن في ضوء كمية ردود الفعل التي مجدت كراهية الآخر وطهارة العرق اليهودي – ينبغي للمرء أن يكون أعمى كي لا يلاحظ السياقات التي تمر على مجتمعنا ويرى ماذا تشبه.
عندما تجرأ اللواء غولان على أن يشير الى ما كان واضحا لكل عين واعية انكمش قائده، رئيس الاركان غادي آيزنكوت. فقد اجبر غولان على ان يصدر ايضاحا متملصا يفيد وكأن أقواله، التي صيغت بعناية، لم تفهم على نحو سليم.
غولان لم يتآمر لا سمح الله على صلاحيات القيادة المسؤولة عنه او دعا لرفض الاوامر – بل قدم فقط تشخيصا اجتماعيا – قيميا حادا وأليما. لقد وضع مرآة نقية امام المجتمع الاسرائيلي، ولكن مثلما كتب يوفال نوح هراري: "الفاشية تدفعنا لأن نرى انفسنا أكثر جمالا بكثير مما نحن عليه حقا". والويل لمن يحطم هذه الصورة.
لماذا أجبر آيزنكوت نائبه على الانثناء؟ لا يمكن الاشتباه بآيزنكوت بانه عديم الشجاعة الشخصية او الاستعداد للوقوف عند رأيه وقيمه في وجه المسؤولين عنه. ولكن من اكتوى على أنه تجرأ على الاعراب على الملأ عن موقف قيمي في قضية أزاريا، قرر ان يبتعد الجيش الاسرائيلي وقادته عن كل خلاف وان يكونوا "سفل سيرفس" (الخدمة المدنية) المطلقة: بلا أي رأي عام.
غير أن رئيس الاركان ليس موظفا معينا آخر، وهو ليس مساويا في القيمة لمدير عام وزارة حكومية. ففي يده مودعة حياة مئات الاف بني البشر. ويفترض به أيضا أن يعلمهم، وان يغرس فيهم القيم، ان يشكل لهم قدوة شخصية وان يتخذ نيابة عنهم ايضا قرارات الحياة والموت. مرؤوسوه وعائلاتهم يتطلعون اليه ويتوقعون ان يسمعوا منه موقفا قيميا. محظور على الجنود الذين يخدمون في الجيش الاسرائيلي الاعراب عن رأي عام، وهذا خير. ويفترض برئيس الاركان أن يكون لهم فما ودرعا في المواضيع التي هي في أرواحهم وأن يوضح ايضا، جماهيريا، ما هي القيم المتوقعة منهم.
قبيل نهاية ولايته لا بد سنسمعه في مقابلات صحفية ختامية. لديه غير قليل مما يقوله برضى: المعركة التي بين الحروب أصبحت تحت قيادته مرتبة وناجعة وحققت نتائج مذهلة حيال ايران وتسلح حزب الله. فقد نجح في أن ينفذ، لاول مرة منذ سنين، خطة متعددة السنين للجيش الاسرائيلي وان يقود سياسة حكيمة في مواجهة موجة اعمال "ارهاب" الافراد التي هددت باغراقنا. العملية الخطيرة في مستوطنة آدم وقعت بعد فترة من الانخفاض الكبير في العمليات وبعد رمضان اول منذ سنين لم تقع فيه عملية فتاكة. ولا يزال يمكن الافتراض بأنه سيسأل طويلا في هذه المقابلات عن قضية ازاريا التي تجرأ على أن يُسمع فيها موقفا واضحا.
يهودا أم خونة
كان رؤساء الاركان ذات مرة لاعبين سياسيين مستقلين. اذكر ايهود باراك يقف على التلة في اللطرون، يداه على متنيه، ويعلن بان "اتفاق اوسلو مليء بالثقوب كالجبنة السويسرية". شاؤول موفاز لم يخش اشراك الجمهور في خلافاته مع وزيري الدفاع موشيه آرنس وبنيامين بن اليعيزر الراحل. خير أن قضت هذه الايام التي نحبها. ولكن هناك مواضيع يتعين على رئيس الاركان أن يسمع رأيه فيها.
لقد صمت آيزنكوت عن قانون التجنيد الجديد، رغم أن كل مرؤوسيه فهموا بان هذا القانون يثبتهم كإمعات. وفي مواجهة قانون القومية الذي ركل ركلة مباشرة في بطن كل ابناء الطوائف الذين يخدمون في الجيش لم يعد هو ايضا بقادر على أن يسكت. وسار بيانه حتى النهاية المشروعة لرجل الجيش واوضح بان في الجيش الاسرائيلي على الأقل – سيبقى الجميع متساوين. هذا القول مثلما أيضا هو "قانون الدروز" الذي يقترحه الان رئيس الوزراء كحل وسط، لن يجدي في رأب الصدع الذي شق بفظاظة في النسيج الهش للمجتمع الاسرائيلي.
معظم الدروز سيمتصون هذه الضربة، رغم أنها اليمة لهم جدا. فهكذا عاشوا ايضا حتى اليوم، حين تمنحهم الخدمة العسكرية بطاقة دخول جزئية فقط الى المجتمع الاسرائيلي. عند مجيئهم لطلب العمل أو لاستئجار شقة، فانهم يصطدمون بالعنصرية الاسرائيلية حين يعرفون انفسهم باسم لا يبدو يهوديا. في الانتخابات الاخيرة كان الحزبان اللذان نالا اكثر الاصوات الدرزية هما موشيه كحلون وأفيغدور ليبرمان. مثير للاهتمام أن نرى اذا كانا سينالا ذات الدعم في الانتخابات القادمة ايضا.
ان تأييد ليبرمان للقانون غريب حتى اكثر اذا أخذنا بالحسبان ان الكثير من مصوتيه المهاجرين من روسيا يعتبرون في نظر المؤسسة الحاخامية كمشكوك في يهوديتهم. ومنذ اليوم تمنع عنهم خدمات اجتماعية أساسية. اذا كان يعتقد أحد ما بان الميل الذي يعبر عنه قانون القومية سيتوقف عند الطوائف غير اليهودية على نحو واضح – فلينظر الى مخامر بركان. هناك لا يزال، ورغم الانكشاف، يبعد الاثيوبيون عن الخمر خشية أن يدنسونه بلمسهم اياه. من سيكون التالي في الطابور ممن سيحددون بانهم ليسوا يهودا بما فيه الكفاية.
بالنسبة لبنيامين نتنياهو، هذا القانون هو نجاح عظيم. فقد نجح مرة اخرى في أن يمزق القبائل في المجتمع الاسرائيلي ويناطحها الواحدة بالاخرى ويقرر الاجندة المفضلة التي ستجرى عليها الانتخابات القادمة: مؤيدو قانون القومية هم يهود أخيار، ومعارضوه هم يساريون وخونة. ولكن من خلف الاعتبارات السياسية الفورية لنتنياهو تقف رؤية استراتيجية بعيدة المدى لقسم من المبادرين لهذا القانون.
يستهدف قانون القومية شق الطريق لضم "يهودا والسامرة" بثلاثة الملايين الفلسطينيين الذين يسكنون هناك. مع قانون القومية سيكون ممكنا ابقاءهم في مكانة دون وعديمة الحقوق. يحتمل أن يكون الاستراتيجيون مؤيدو قانون القومية قد قرأوا نتائج استطلاع خليل الشقاقي وبموجبه اكثر من 60 في المئة من الفلسطينيين سيسعدهم ان يحملوا بطاقة الهوية الزرقاء.
تتمتع دولة اسرائيل في العقد الاخير برفاهية انعدام التهديد الوجودي. لا توجد قوة في الشرق الاوسط يمكنها أن تخرج الى معركة تنتهي بابادتنا، بالاحتلال او بالحسم. اذا ما ابتلعنا في داخلنا ثلاثة ملايين فلسطيني، فلا يمكن لأي قانون ان ينجح في ابقائنا كدولة يهودية. فقانون القومية دفن منذ الان رؤيا هرتسل وموقعي وثيقة الاستقلال. التاريخ سيحكم اذا كان أيضا شق الطريق لنهاية الحلم الصهيوني.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد