عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 10 تموز 2018

النفاق والسياسة الحريدية

هآرتس- بقلم: دمتري شومسكي

مقال الكاتب الحريدي اسرائيل كوهين ("الارهاب العلماني لم يتوقف للحظة"، "هآرتس"، 27/6) هو مقال ملزم للقراءة من قبل كل من يهتم باقصاء الاقليات والمختلفين الآخرين في المجتمع الاسرائيلي. حيث أن كوهين يحسن تمثيل الاسلوب المضلل لاستخدام قيم التسامح والانفتاح على "الآخر" من اجل فرض رؤية سياسية قمعية ترتكز جميعها على رفض الاختلاف ورفض الآخر في المجتمع الاسرائيلي، اسلوب سيخدم في المستقبل العديد من الجهات الدينية – الوطنية هنا، طالما يتبين لهم أنه بمساعدته يمكن التضليل بنجاعة لعدد من اتباع التنوع الثقافي، وربما حتى تجنيدهم للدفع بأجندة اجتماعية – ثقافية ضد التنوع بصورة واضحة.

كوهين يوجه انتقادا شديدا لمعارضي عقد احتفال "حباد" في ميدان رابين في تل ابيب وهم يفصلون بين الرجال والنساء بذريعة أنهم مصابون بالنفاق المميز، حسب اقواله، لجهات علمانية وليبرالية في اسرائيل: في حين أنهم يلوحون بفخر بعلم التنور والمساواة والعدل فانهم يقومون بطيه فورا وبشكل سريع امام مطالبة الاقلية الحريدية بحقها في تطبيق اسلوب مختلف لحياتها حسب معتقداتها الدينية. هذا بالنسبة لهم بسبب الخشية الثقافية لليبراليين العلمانيين من "الآخر" الحريدي، الذي يثير الذعر و"يغضبهم ويثير سخطهم" بسبب تقاليده الدينية.

لكن عرض الحريديين في الدولة القومية الاثنية – العرقية اليهودية كأقلية تجسد في شخصيتها "الآخر" المختلف، هو سلب للرأي، فكري وسياسي من الدرجة الاولى. من الواضح حقا أنه من الناحية الاجتماعية – الثقافية يشكل الجمهور الحريدي في اسرائيل – مهما كان متنوع ومتعدد الوجوه – أقلية تختلف في نمط حياتها عن باقي المجتمع الاسرائيلي (المتنوع هو ايضا). ولكن بالمعنى السياسي – السياسي العميق، طالما أن الامر يتعلق ببنية اساسية في الواقع الوطني – المدني للدولة، فان المكون الحريدي للمجتمع الاسرائيلي بعيد عن أن يكون "اقلية اخرى". بالعكس، الاقلية الحريدية وتسييس هويتها الجماعية تتماثل بصورة واضحة مع الدين المؤسسي السائد في اسرائيل – الديانة اليهودية بالصيغة الارثوذكسية، الذي ينفي بشكل واضح "الآخر" – والذي في غياب الفصل بين الدين والدولة يشكل دون عائق سواء الواقع اليومي لمواطني الدولة اليهود (وغير اليهود)، أو الخصائص الثقافية والفكرية للوطنية السائدة في اسرائيل. هكذا، بكونهم الممثلين الاصيلين لدين الدولة في اسرائيل، فان كل انجاز حتى لو كان صغير جدا لتسييس الحريديين الاسرائيليين يلقي بظله، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على الصورة المدنية – القومية لدولة اسرائيل من خلال اعطاء نوع من التعزيز لخصائصها الاثنودينية المقصية.

تجدر الاشارة الى أن كوهين نفسه، واحيانا السياسيين الحريديين، يدرك جيدا وجود علاقة غير منفصمة بين تسييس الهوية الحريدية والنضال من اجل الطابع الاثني – الديني اليهودي لاسرائيل. وفي سياق آخر اظهر استقامة كبيرة من اجل الاعتراف بها والزامها بصورة علنية. هكذا، في فترة الازمة حول اعمال البنى التحتية للقطار في يوم السبت، أكد كوهين على أن هدف المشاركة الحريدية في السياسة الاسرائيلية لا تقتصر على الحفاظ على مصالح الجماعة الخاصة للجمهور الحريدي، بل تمس ليس اقل من ذلك بـ "طابع دولة اسرائيل"، القلق على طابع السبت بصورة علنية، قوانين التهويد، الزواج حسب الشريعة، "تهويد العلمانيين" والاطفال الذين تم سبيهم" ("هآرتس"، 3/9/ 2017). بكلمات اخرى، كخلاصة للنفاق الوقح للسياسة الحريدية – بيد نحارب باسم التنوع الثقافي ضد التدخل العلماني في مناهج التعليم الحريدي، ومن اجل حق الحريديين في عدم الخدمة في الجيش لاسباب ضميرية دينية، وباليد الاخرى يشجعون التدخل المبتذل والفظ في نمط حياة الاسرائيليين العلمانيين.

على خلفية النفاق غير الخفي هذا للسلوك السياسي الحريدي، يجدر أن نسأل بجدية هل يوجد مبرر للاتهام بالنفاق الذي يوجهه كوهين ضد العلمانيين والليبراليين؟ لا يوجد أي اساس للدعوى التي تصف العلمانيين الاسرائيليين كمن يخصصون مباديء المساواة والانفتاح فقط لابناء امثالهم العلمانيين؟.

هذه فرية كاذبة، الحقيقة هي أن جوهر مفاهيم مثل "انفتاح على الآخر واحترامه" و"الحاجة الى الاهتمام بالآخر" الذي يستخدمه كوهين من اجل تشجيع القيم الاثنوعرقية، الدينية للسياسة اليهودية الحريدية، كوهين استعارها من خزينة مفاهيم اليسار الليبرالي في اساسه، والانتقادي تجاه نفسه في جوهره، والتي يحب بها أن ينتقد في مقالاته، ذلك نفس اليسار الذي يشير بحق الى الفشل العميق للصهيونية العلمانية ذات النزعة المركزية الاوروبية، والتي لم تضم "الآخرين" المختلفين في الواقع المدني والثقافي للدولة – وفي نفس الوقت بسذاجة تثير الشفقة يتخيل احيانا حلف سياسي بينه وبين مجموعات مناهضة للتعددية مثل الحريديين، في الطريق الى تشكيل مجتمع اكثر تعددية واكثر انفتاحا.

قبل نحو خمس سنوات عندما كان الجمهور الحريدي يشعر بضائقة ازاء قانون التجنيد الشعبوي لحزب يوجد مستقبل، طرحت هنا أمل لامكانية ظهور سياسة حريدية جديدة: اذا كان زعماء الحريديين معنيون بالدفاع عن عالم المدارس الدينية وعن حقهم وحق طلابهم في مواصلة الحفاظ على نمط حياتهم الفريد، كتبت في حينه "عليهم الانضمام الى الداعين الى الديمقراطية متعددة الثقافات في اسرائيل... في النضال المدني ضد الهيمنة ذات الطابع المركزي العرقي العلماني – الديني – اليهودي، التي تلوح بعلم علماني – قومي امام الحريديين من جهة وبعلم ديني – قومي امام العرب من جهة اخرى ("هذا هو الوقت لسياسة حريدية جديدة"، هآرتس، 3/4/2013). ولكن مثلما يثبت لنا كوهين في مقالاته، ومثلما تعلمنا كل يوم السياسة الحريدية – القومية القديمة، كان ذلك أمل عبثي. اجل بصورة طبيعية ومن خلال المنطق الداخلي الذي لا مناص منه، فان سياسة الهوية الحريدية في اسرائيل تندمج في قلب المشروع القومي – الديني ما بعد العلماني وما بعد الصهيوني لليمين، الذي هدفه تحويل اسرائيل الى دولة اكثر قومية واكثر عنصرية من ناحية مدنية – سياسية، والى دولة اكثر دينية من ناحية اجتماعية – ثقافية. مقابل ذلك، على العلمانيين أن يوضحوا لكوهين وجمهور الحريديين دون مواربة: إن تعاطف الحريديين مع التطلع الشرعي للحريديين للحفاظ على هويتهم الجماعية المتميزة سيكون ممكنا فقط بعد فصل الدين عن الدولة في اسرائيل. أو على الاقل مع المأسسة المأمولة للتنوع الديني في اوساط اليهودية الاسرائيلية، في الوقت الذي تكون فيه اليهودية الارثوذكسية مجرد أحد التيارات الدينية في الدولة الى جانب اليهودية الاصلاحية والمحافظة.

في هذه الاثناء ولأن كل انتصار صغير للحريديين في فرض القيم الدينية في الساحة العامة مثل اعطاء الشرعية للفصل بين الرجال والنساء في ميدان رابين، يشكل علامة فارقة في المشروع المستمر للتهويد الاثنوقومي للمجتمع الاسرائيلي، على الجمهور العلماني أن يعلن صراع غير متساهل ضد هذه التوجهات في كل ميدان، وفي كل حرم جامعي وفي كل رحلة للطيران.