الغزية ندى.. إبداع "بما تيسر"
فنانة غزية شابة تفتح باب الرسم لشقيقتيها

غزة - الحياة الجديدة - توفيق المصري - تذهلك لوحاتهن المعلقة على جدران غرفهن كحفنة من الرمال نثرنها في الهواء فاجتمعت وتشكلت لتظهر فناً فقط هن أبدعن في رسمه، وما إن تمعن النظر حتى تتيقن أن الإبداع وحده ما يشغل فكرهن، يرين الأشياء وريشتهن ممزوجةً بحسهن، وحين يجتمع دعم الأهل مع توفر الإمكانيات تظهر موهبة رغم المحبطين.
بحي الشيخ رضوان في مدينة غزة تعيش ندى جمال شكشك وشقيقتيها مها وعلا داخل بيت يعمر ويزخر بحب ودعم الأهل الذين لم يتوانوا يوما عن دعمهن.
جسدت الأخت الكبرى ندى "22 عاماً" من خلال مشروع التخرج الذي قامت بإعداده فكراً عميقاً تميز بالإبداع والإتقان ليعد إضافة جديدة في عالم الرسم على الزجاج في غزة بعدما قامت بإدخال عنصر الكرتون المصقل في إحدى لوحاتها.
بداية الموهبة

تقول ندى لـ "الحياة الجديدة" ان بدايتها كانت منذ الطفولة اكتشفتها في المرحلة الإعدادية حين كانت تطلب منها مدرساتها الرسومات. وتضيف: "كنت أرسم والمُدرسات كن يبدين إعجابهن برسوماتي، وكانت زميلاتي ينبهرن ويطلبن مني أن أقوم بالرسم لهن"، بعدها تيقنت ندى أن لديها موهبة دفعتها لأن تستمر برسوماتها البسيطة الممزوجة ببراءة الأطفال لتتطور شيئاً فشيئاً.
وتابعت ندى "بعد النجاح في المرحلة الثانوية العامة خُيرت بين عدة تخصصات فاخترت عن قناعة التربية الفنية".
ورغم قناعتها واجهت ندى الكثير من الصعوبات خلال مرحلة الدراسة الجامعية التي سعت جاهدة لأن تتغلب عليها. وتقول ندى "في أول فصل في الجامعة كان كل شيء صعب، خاصة في ظل عدم وجود توجيه من حيث اختيار المساقات والخطط الدراسية".
وأضافت انه واجهتها صعوبات كثيرة منها عدم توفر الخامات، واشتكت قائلة: "بعض الخامات ليست موجودة في غزة وأخرى تضطر للبحث عنها مثل زلف البحر وسنابل القمح".
وكان لندى وصديقاتها تجربة حيث قمن بإيقاف باص الجامعة من أجل التقاط سنابل القمح من حقول غزة لصنع أشكال فنية.
وكانت ندى وزميلاتها في الجامعة يساندن ويدعمن بعضهن ليتحدين الصعاب كن يجلبن أغراضهن مع بعض.
وكانت ندى تسعى في كل فصول دراستها الجامعية لأن تطور من فكرها فكانت تبحث عبر الإنترنت عن أساليب جديدة للفن من أجل توسيع آفاقها.
تقول ندى انها كانت تتابع الفنانين العالميين والأجانب من حيث الأدوات والأساليب التي يستعملونها. وأضافت أسعى لتطوير نفسي من خلال إنتاج أعمال مختلفة وإن شاء الله بعد مشروع التخرج سأكمل على نفس الأسلوب، في الرسم على الزجاج والكرتون".
الفن التجريدي رغم عدم توفر الخامات

وعن تفاصيل مشروعها قالت ندى انها اختارته من الفن التجريدي لأن طبيعة العمل بألوان الزجاج والكرتون تتطلب أن تكون دون تفاصيل وبلا ملامح ومجردة وبسيطة.
وأضافت انها قامت بتحضير فكرة المشروع على مدار فصل دراسي كامل، من حيث عدد اللوحات وأحجامها ونوع الخامات والأدوات وطبيعة التصميم إلى أن وصلت للتصميم النهائي "سكتش" على ورقة بقلم الرصاص واستشارت الأستاذ المشرف عليها لتقوم بعدها بتحضير "كرتون بسكوت" وألواح وألوان الزجاج و"التنر" لكسرها، بالإضافة للبليتات والفراشي.
وتابعت أنه بعد 20 يوما تم إنجاز المشروع وبلغ طول اللوحة 70 سم وعرض 2 متر، مشيرة الى انها ذهلت بعد إنجاز المشروع.
ويعد المشروع إضافة جديدة للفن التجريدي أتقنت ندى من خلاله إدخال الكرتون بالرسم على الزجاج من أجل إبراز تفاصيل العمل.
مشاريع بأبسط الإمكانيات
وقالت ندى ان والدها كان يلبي كل احتياجاتها ولم يشكُ يوما من التكاليف الباهظة لأسعار أدوات الرسم، مشيرة الى ان بعضها سعره مرتفع كالفراشي التي يتراوح سعر أصغر فرشاة منها 30 شيقلا، وألوان الزجاج التي تستخدمها 25 شيقلا للعبوة الواحدة.
واشتكت ندى من عدم توفر الكثير من أنواع ورق الرسم في مكتبات غزة، وقالت "مثلاً أوراق الكانسون والفربيانو إن وجدت فأسعارها تكون مرتفعة جدا".
وأكدت ضرورة ان يأخذ الفنان بآراء الكل سواء صغير أو كبير أو إمرأة أو رجل وكل الأعمار. وعن مشاركة شقيقتيها لها قالت انهما يشاركنها في الرسم ولهما رسوماتهما الخاصة، وأنا لي رسوماتي الخاصة ايضا". وأضافت انها تفضل الخوض في فن مختلف لم يصل له أحد من قبل من أجل التميز.
وبالإضافة لهذا الفن تتقن ندى الرسم بالألوان المائية.

مشروعها الخاص
وقالت ندى ان أمنيتها كأمنية أي فنان في أن يكون له مجال واسع لأعماله وأن يصل للشهرة، مشيرة الى أنها ستكمل بعد تخرجها في نفس الأسلوب وأنها ستسعى للمشاركة في معارض داخل غزة وخارجها، وتمنت أن يكون لها مكان خاص يحتضن أعمالها وأدواتها.
أما شقيقتا ندى "مها (17 عاماً) وعلا (15 عاماً)" فيحترفن استثمار الأدوات المهملة من عيدان "الأسكمو" أو القطع القطنية التالفة أو الأوراق أو القطع الخشبية وتعملان على تجميعها لخلق لوحات فنية تجذب كل من ينظر إليها لبساطتها.
"لما ندى ذهبت للجامعة توفرت المواد والخامات أكثر".. هذا ما قالته مها التي بدأت الرسم بعمر مبكر. وتابعت انه بفضل دعم والديها نما وتطور فن الرسم لديها، مضيفة أنه مع توفر الخامات تشجعت لاستغلال هذه المواد بالشكل الأمثل.
وقالت ان أغلب الخامات التي تستخدمها هي ألوان الخشب وتعمل على وضع بصمتها من خلال إضافة القماش أو الخرز للوحاتها، مشيرة الى أنها ترى نفسها بالأشغال اليدوية كالورق الذي تعمل على تجميعه في باقات والنسيج وبالمجسمات.
أما أختهما الصغرى علا فتعمل على مشاركة شقيقتيها عبر رسومات السكتشات. تقول علا ان رسالتهن هي" انه رغم الدمار والحصار في غزة وانقطاع الكثير من المواد الا أنه يوجد فن وفنانون قادرون على إظهار صورة فلسطين للعالم".
للأهل دور
واعتبر جلال شكشك (52عاماً) والد الفتيات بناته فنانات ناشئات، مشيرا الى أنه يعمل على تنمية مواهبهن حسب الامكانيات المتاحة. وقال: "كوالد لـ 6 أفراد مطلوب مني تعليمهم وتوفير متطلبات الحياة بالإضافة لغذاء الروح وهو الفن حسب الظروف".
ولفت الى أن الفنانين والفنانات في غزة يعتمدون على المجهود الذاتي والشخصي في عملهم، منوها الى أن الجهات الرسمية والنقابات مقصرة في هذا الجانب. وأكد انه يقع على هذه الجهات دور في الإهتمام ورعاية الفنانين الناشئين والمبتدئين، مشيرا الى أن هذا الدور يجب أن يظهر من خلال تقديمها للخدمات وتوفير المواد الخام وأماكن للرسم وتوفير معارض للمشاركة.
وتمنى أن تعمل الجهات الرسمية على دعم فناني غزة للانطلاق نحو العالمية حتى لا يظل فنهم حبيس الأسلاك الشائكة، وليتم تبادل الخبرات بين شطري الوطن أيضا، وأن يصل هذا الفن الى الدول العربية والعالم حتى يدرك الكل ان الفلسطيني ليس فقط مناضلا وبندقية بل أيضاً فنان له ذوق رفيع يفهم المعاني.