عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 09 نيسان 2018

لا يوجد حل في الأفق

هآرتس- بقلم: عاموس هرئيل

اشعال الاطارات في تظاهرات يوم الجمعة في قطاع غزة ظهر بالاساس وكأنه خدعة، محاولة لربط نهاية الاسبوع الثاني في سلسلة الاحتجاجات المخطط لها بأن تستمر حتى منتصف شهر أيار. أعمدة الدخان الذي تصاعد فوق بيت حانون كان يمكن رؤيته بشكل جيد من منطقة عسقلان وما بعدها، والى الجنوب تصاعد الدخان ايضا فوق معبر كارني، مقابل كيبوتس ناحل عوز. لكن مشكوك فيه أنه شوش حقا على اطلاق نار القناصة الذين انتشروا في بؤر التظاهر على طول حدود القطاع.

ايضا يوم الجمعة الماضي انتهى بعدد من المصابين الفلسطينيين، وإن كان عددهم تقلص فهذا بسبب أن الطرفين غيرا قليلا طريقة العمل. نار الاطارات التي لم يتم الشعور بها في غلاف غزة أدت بالتأكيد الى ضرر بيئي على جانبي الحدود. ولكن في ظل عدم وجود رياح غربية فإن القطاع اختنق من الدخان الذي اشعله سكانه.

مقارنة مع يوم الجمعة السابق، شارك في هذه المرة عدد أقل من الفلسطينيين في التظاهرات، وظهر بوضوح أنه كان اطلاق أقل للنار. ايضا بمساعدة المنظار كان يصعب تمييز ما يحدث بالضبط على الحدود من ناحل عوز. بضعة آلاف من الفلسطينيين تجمعوا على بعد آمن من الجدار، حيث وقفت من ورائهم سيارات الاسعاف الكثيرة والدراجات التي كان يبدو أن نشطاء حماس يوجهون الحركة بواسطتها. بين الفينة والاخرى كان يمكن تشخيص ما ظهر وكأنه حركة لاشخاص قليلين باتجاه الجدار نفسه. قناصة الجيش الاسرائيلي تمركزوا في الخنادق في الجانب الاسرائيلي، وخلف الدخان الكثيف سمع بين الحين والآخر صوت رصاصة منفردة لقناص. المواجهة تركزت حول المبنى المهجور في حاجز كارني الذي اغلقته اسرائيل بعد عدة عمليات منذ الانفصال عن قطاع غزة.

على مدى اكثر من ساعتين اطلق الجنود 30 – 40 رصاصة، وقنابل الغاز المسيل للدموع، وتم فتح خراطيم المياه لاخماد النار التي تصاعدت من اشعال الاطارات. في ساعات المساء كان هناك، حسب التقارير، قتيل وعشرة مصابين، عدد منهم بسبب الرصاص المطاطي واستنشاق الغاز. في كل القطاع كان 9 قتلى ومئات الجرحى. في الجيش الاسرائيلي يقولون إن المواجهات اشتدت بعد الساعة الخامسة بعد الظهر، عندما حاولت مجموعات من الشباب اجتياز الجدار في عدة اماكن.

في هيئة الاركان يصفون الاحتجاج في غزة كمبادرة شعبية، اختطفتها قيادة حماس من اجل مصالحها. والآن هي التي تحدد مساره. تفكير قادة حماس بسيط: قبل بضعة اشهر وصلت الازمة الاقتصادية في القطاع الى وضع خطير جدا، حيث إن يحيى السنوار قرر القيام بعملية غير متوقعة ووافق على نقل الصلاحية المدنية في قطاع غزة للسلطة الفلسطينية. لكن مفاوضات المصالحة فشلت بعد رفض السلطة محاولة حماس تطبيق نموذج حزب الله في القطاع (الذي تحتفظ فيه حماس بقوتها العسكرية). الآن تجد حماس نفسها بين اسرائيل ومصر، في الوقت الذي تم فيه وقف تقديم المساعدات الاقتصادية من السلطة، وكذلك ايران لا تقدم الدعم بالمستوى المتوقع للفلسطينيين.

الاحتجاج أوجد بصيص أمل لمخرج محتمل. التظاهرات وازدياد عدد المدنيين الذين قتلوا بنار القناصة وضعت من جديد القضية الفلسطينية على جدول الاعمال الدولي. واذا استمرت يمكن أن تخلق ضغط على اسرائيل رغم الدعم الكبير للادارة الامريكية، لكن في الجيش الاسرائيلي يرفضون عرضها كعملية مدنية خالصة: آلاف نشطاء حماس تلقوا تعليمات للمشاركة فيها مع أبناء عائلاتهم، وفي ظل الجمهور عملت خلايا كانت مهمتها تخريب الجدار واجتيازه بصورة تسمح بدخول مئات الاشخاص الى اسرائيل.

على هذه الخلفية تم تشديد اوامر فتح النار، ومنحت الموافقة للقناصة على اطلاق النار من اجل الاصابة لمن وصفوا بمنظمي الهجمات. في الجيش قالوا إنه أول أمس ايضا تم تشخيص اشخاص اقتربوا من الجدار من اجل زرع العبوات الناسفة. إن اختراق جماهيري باتجاه المستوطنات الاسرائيلية المحاذية للجدار، هكذا يعتقدون، كان سيؤدي الى قتل اكثر في الطرفين، وكان يمكن جرهما الى مواجهة عسكرية حسب صيغة عملية الجرف الصامد في 2014.

الجيش الاسرائيلي منع هذا الاختراق وأحبط مسا حقيقيا بالجدار في يومي الجمعة الاخيرين. في المقابل، يعترفون في الجيش أن عدد القتلى الفلسطينيين (29 منذ بداية التظاهرات، معظمهم من المدنيين) هو رقم مرتفع، ويمكن أن تكون له تداعيات من ناحية اسرائيل، سواء على الصعيد السياسي أو بسبب رغبة حماس في مواصلة استغلال الزخم الذي نشأ في ايام الجمعة القادمة، على الاقل حتى يوم النكبة في منتصف أيار.

على هذه الخلفية يظهر الفشل الاسرائيلي المتواصل في تطوير وسائل لتفريق المظاهرات بحيث تكون ناجعة ايضا من مسافة كبيرة نسبيا. وتظهر ايضا عيوب في التنسيق بين اجهزة الامن المختلفة. في نهاية الاسبوع الاول لم يطلب الجيش مساعدة حقيقية من الشرطة بذريعة أنه يستطيع القيام بالمهمة لوحده. وفي نهاية الاسبوع الثاني لم تسارع الشرطة الى تقديم المساعدة وطلبت ابلاغها اذا نجح الفلسطينيون في الدخول الى أي مستوطنة.

هذان الأمران لم يحدثا حتى الآن. رغم العدد الكبير من المصابين الفلسطينيين لم يتم اطلاق الصواريخ من القطاع على النقب (الامر الذي يشير الى أن حماس لا ترغب في ذلك، وايضا حماس كما يبدو هي التي تقرر هل ستطلق الصواريخ أم لا). حتى الآن هذا القتل لم يؤد الى احتجاج حقيقي في الضفة الغربية. الضفة الغربية وقطاع غزة يتصرفان حاليا في هذه الازمة مثل كيانين منفصلين. يمكن الافتراض أن السلطة فقدت ما بقي من تعاطفها مع ازمة القطاع بعد محاولة اغتيال رئيس الحكومة رامي الحمد الله.

اضافة الى الانشغال الجديد بالقضية الفلسطينية، ثبتت حماس قوات كبيرة من الجيش الاسرائيلي على حدود القطاع، وهذا الامر احتاج الى اعطاء اهتمام كبير من القادة، وفيما بعد يمكنه التشويش على برنامج التدريبات الواسع لرئيس الاركان غادي آيزنكوت. في هيئة الاركان يعتقدون أن حماس توصلت الى اكتشاف ناجع، وهم يبحثون عن وسيلة لجباية ثمن باهظ منها من اجل وقف تطور الامر ليصل الى حرب استنزاف، التي ستتمثل في احتجاجات وعمليات على طول الحدود.

كل ذلك يجري الى جانب عدم الرغبة الواضح من قبل الطرفين للوصول الى مواجهة شاملة من شأنها أن تكون مدمرة في الاساس لغزة. ولكن في هذه الاثناء الازمة الاجتماعية في القطاع هي العنصر المسيطر على صورة الوضع. وفي ظل غياب حل في الأفق، يبدو أن الصدامات الاسبوعية على طول الحدود يتوقع أن تستمر على الاقل لفترة زمنية معينة.