هكذا ولد هامسو السياسة
بقلم: جدعون ليفي

الفساد الاكبر هو الذي أدى بنا الى التفكير بأن قواعد السياسة مختلفة. في الحياة العادية ممنوع الكذب، لكن في السياسة مسموح، في الحياة العادية يجب قول الحقيقة، وفي عالم السياسة لا. لقد عودونا أن نفكر بأنه لا توجد سياسة دون خداع، وأنه لا يوجد سياسي يقول الحقيقة. هذا هو نظام العالم، السياسيون مشعوذون، والشمس تشرق من الشرق والسياسي يزيف ذلك، هناك من يزيفون أكثر ومن يزيفون أقل، لأن هذا مقبول وهذا ما يجب أن يكون. يصعب تصديق ذلك، لكن مصيرنا نضعه في أيدي اشخاص نحن أقل من نصدقهم، وهذا صحيح تماما من ناحيتنا، هذا هو الفساد الاكبر منها جميعا.
لقد تربوا على الكذب في المهد المتعفن للسياسة الاسرائيلية. من في وسائل الاعلام لا يعرف الفجوة غير المحتملة في الاستوديوهات بين ما يقولونه عندما تكون الكاميرا مفتوحة وما يقولونه فور اطفائها. تعلمنا أن نعيش مع هذا بسلام. إن أحدا لم يوقفهم عن الكذب، وأحدا لم يواجههم بصورة كافية في اكاذيبهم. الصحف وافقت على كل تلاوة جوفاء من قبلهم، وأحدا لم يحاسبهم على الاستقامة، والتحايل كان مفيدا لهم.
التحايل هو أن تقوم برشوة ناشر مقابل تغطية صحفية متعاطفة، لكن ايضا القول إننا متوجهون نحو السلام، في الوقت الذي يعرفون فيه أن الامر ليس كذلك. التحايل هو أن تتعهد برفاه المعاقين، وبقطار الى القدس في عيد الفصح، وبعقوبة الاعدام للمخربين. التحايل هو أن تلبس ملابس الحزن بعد العملية والاعلان أنه لن يتكرر ذلك في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن هذا الامر سيتكرر، أن تقول إنك تتمنى الشفاء للمصابين، وأن الجيش الاسرائيلي يعرف كيفية الرد في الزمان والمكان المناسبين، وأن زوجتك هي ضحية وأن اسرائيل هي الافضل، تحايل صغير وتحايل كبير والقليل من الحقيقة. الحقيقة ليست خيارنا.
من اجل تشجيع التحايل يجب أن نكون مهنيين. هكذا ولد الهامسون، المستشارون الاعلاميون والمستشارون الاستراتيجيون، الذين دائما يتحدثون بشفاه مشدودة. لقد بشروا بقدوم الفساد الكبير. عرفت واحدا من الأوائل منهم، الذين تم احضارهم من اميركا من قبل متبرعين يهود. دافيد سوير كان رجلا انيقا ومثيرا للانطباع، جاء لمساعدة شمعون بيرس على الفوز في انتخابات 1981، على فوهة بندقيته كانت مسجلة نجاحات في اميركا كاشارة الى أن هذا سينجح مع بيرس.
سوير لم يكن له مفهوم اخضر عن اسرائيل، ومشكوك فيه أن يكون قد سمع عنها من قبل، لكن خلال ايام تحول الى خبير يقول لبيرس ما الذي يجب عليه قوله. بيرس أدمن عليه. لقد صدق أن سوير هو الوحيد الذي لا يريد منه أي شيء. في السياسة في نهاية السبعينيات كان هناك الكثيرون منهم. كانت تلك ايام التحرشات الجنسية الاخطر من التي توجد الآن، وكذلك ايضا مغلفات الاموال التي تم نقلها للحزب وليس للاشخاص. ولكن أحدا لم يعتبر ذلك عيب. في بلاط بيرس كان يتجول في حينه عدد آخر من خبراء النخبة للتحايل. رام كسبي الأبدي واليعيزر زوربن المتوفى، اللذان اطاعهما بيرس أكثر مما سمع صوت ضميره.
هذا لا يصدق: أحد "العظماء" الاسرائيليين يحتاج الى خبير اميركي من اجل أن يقول له ما الذي يجب عليه قوله في بيتح تكفا. هكذا ولد التزوير. لقد قالوا له إنه يجدر به البدء في تحريك حواجبه، لأنه بسبب عدم فعل ذلك لن يصدقونه، وقالوا له أن يذهب الى السوق أو لا يذهب، أن يلقي التحية أو لا، أن يقول احتلال أو لا يقول، أن يلتقط الصور مع ميتران أو لا، أن يعين بار ليف أو لا، الصورة كانت مظهرية تماما، المهم هو ما سيقولونه.
منذ ذلك الحين تدفقت مياه كثيرة في مراحيض الكنيست. المستشارون تضخموا، السياسيون تم خداعهم. بنيامين نتنياهو سجل رقما قياسيا في الانحدار إلى الحضيض، لكنه لن يكون الاخير. هل من البراءة التفكير بأن الامر سيكون غير ذلك، أن يكون هو سياسيا ويقول ببساطة ما يفكر فيه، كل ما يفكر فيه، فقط ما يفكر فيه. ليس مهما ما يهمسه المستشار، وفي الاساس ما سيقولون عنه. يوجد سياسيون مثل هؤلاء في هامش السياسة، لكن ليس في مركز قوتها، الامر في أيدينا. ربما سنكافئ في يوم ما على قول الحقيقة ونعاقب على التحايل.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد