الخوف من فقدان السيطرة
إسرائيل اليوم– اللواء احتياط يعقوب عميدرور

التوتر في الجنوب هو نتيجة لعدة احداث تبدو ظاهرا لأنها غير مرتبطة الواحد بالاخر. بدايتها في اكتشاف نفق الجهاد الاسلامي قبل نحو شهرين، حين قتل اثناء تحييده مسؤولون كبار في التنظيم الذي توعد بانتقام شديد ولم ينفذه حتى الآن. وتواصل هذا في أزمة المفاوضات على المصالحة التي اتفقت عليها السلطة الفلسطينية مع حماس ونبعت من أن الطرفين يفهمان هذه المصالحة بشكل مختلف. فبينما تريد حماس الحفاظ على قوتها العسكرية وسيطرتها على ارض القطاع – بينما تكون السلطة مسؤولة عن الصورة الخارجية للقطاع دون السيطرة فيه يريد ابو مازن سيطرة حقيقية والفجوة بين الطرفين لا تسمح بمصالحة حقيقية، الا اذا استسلم احدهما.
أما العامل المؤثر الثالث فهو نتيجة اعلان الرئيس ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس (ضمنا الغربية) عاصمة اسرائيل، الاعلان الذي أدى الى تصريحات متشددة من ابو مازن ودعوة من حماس للانطلاق في انتفاضة.
والفائز في منافسة اشعال النار
الجانب الثاني تنظيم اقامه الايرانيون ومولوه، استغل الاجواء المتفجرة ومثل منظمات سلفية اخرى اطلق الصواريخ نحو اسرائيل. اما حماس، التي اتخذت حتى الان جانب الحذر في ردود افعاليها، والجهات الاكثر هجومية، فقد تلقيا تشجيعا واسعا من ايران، التي تعد بتمويل كل اتساع للنار. وفي هذه الاثناء اكتشف الجيش الاسرائيلي نفقا متسللا لحماس ايضا، وبدأ الفلسطينيون يفهمون (وعن حق) بان هذه ليست حالة استثنائية بل مرحلة اخرى في تطور النهج الذي يدمج منظومات تكنولوجية وقدرات عملياتية، وفي المستقبل غير البعيد سيسمح لاسرائيل بان تعطل التهديد.
في الماضي أيضا لم يكن بوسع المنظمات في القطاع ترجيح الكفة بسبب الانفاق، ولكن الهستيريا التي اشتعلت في اسرائيل الزمت الجيش الاسرائيلي بان يكرس انتباها شديدا، والآن يمكن قطف الثمار واطفاء المخاوف لدى سكان المنطقة. ومثل تهديد الصواريخ، التي تطلق رغم نجاح القبة الحديدية في تعطيل معظمها، فان تهديد الانفاق هو الاخر لم يصفَ تماما، ولكن سيكون من الصعب استخدامها عند القتال وهي ايضا ستصبح عديمة الاهمية.
كل هذه الاحداث معا هي الارضية للنشاط الفلسطيني الذي يؤدي الى توتر متصاعد في القطاع. في الطرف الاسرائيلي يتخذ الجيش الاسرائيلي سياسة ضبط للنفس نسبية، ولكن في نفس الوقت توضح اسرائيل من خلالها استخدامها للجيش بانها ترى في حماس المسؤولة عما يجري في القطاع، وبالتالي ايضا جديرة بان تدفع ثمن المواجهة الجارية حتى الان على نار هادئة. وفي ضوء مسؤولية حماس فان معظم الاهداف التي تتعرض للهجوم (بشكل عام بنار دقيقة كما ينبغي ان يقال) تعود لهذه المنظمة، ولكن اسرائيل تقيد معظم ردود افعالها لهوامش المنظمة وليس للنشطاء الكبار او لمنشآت القيادة المركزية. وكل هذا بهدف جباية ثمن من حماس – ولكن في نفس الوقت السماح لها بان تحتوي ذلك دون أن تدهور الوضع.
الى اين يؤدي كل هذا؟ واضح أن ايران تدفع نحو تفاقم وتوسيع النار، فطهران لا تهمها معاناة سكان القطاع على أن تتلقى اسرائيل الضربات، سواء بالنار أم بالتنديد في العالم. ليس واضحا ما هو دور تركيا في الميدان، ولكن لا ينبغي أن نتفاجأ اذا ما تبين بأنها هي ايضا تضيف الزيت الى الشعلة الصغيرة التي تشتعل في القطاع، وعلاقاتها مع حماس تعطيها امكانية جيدة لعمل ذلك.
بالمقابل، يبدو أنه ليس لمصر اي مصلحة في تفاقم الوضع، بل العكس، لديها هي ايضا قدرة على التأثير على حماس. وليس للمنظمة "الارهابية" نفسها أغلب الظن ما تكسبه اذا ما وصلت الامور الى حملة كبيرة. فقد تعلمت كيف تتعرف على قدرات اسرائيل في ضرب قدراتها العسكرية وهي على وعي بالثمن الباهظ الذي سيدفعه السكان.
غير أنه في الوضع الحالي، حين تطلق الصواريخ نحو عسقلان وسديروت، لا توجد طريق حقيقية للتأكد من أن الوضع لن يتدهور الى حملة كبيرة، إذ ان حدثا واحدا يتسبب باصابات في الطرف الاسرائيلي يمكنه أن يؤدي الى رد فعل اسرائيلي حاد يزيل القيود التي اخذتها حماس على عاتقها.
ينبغي الأخذ بالحسبان بان الاحداث في القطاع لا يتم التحكم بها تماما. وذلك ايضا لان حماس لا تتخذ كل الوسائل التي تحت تصرفها، وايضا لأن المنظمات "العاقة" وعلى رأسها الجهاد الاسلامي، لا تحسب حسابا عظيما لسكان غزة، وتواصل اطلاق النار في ظل تجاهل امكانية التدهور. ومن هنا واضح ان هناك امكانية لا بأس بها في أن تفقد الاطراف السيطرة على العملية فيجدوا أنفسهم مرة اخرى في القتال رغم أن اصحاب القرار سواء في اسرائيل أم في القطاع لا يريدون ذلك.
وللمفارقة يمكن القول ان حياة الكثير من الفلسطينيين ستنجو كلما كان اداء القبة الحديدية افضل مما هو متوقع منها وان تعترض كل الصواريخ التي تطلق نحو مراكز السكان في اسرائيل – ولكن ليس لهذا اي ضمانة.
تجري الاحداث في الجنوب على خلفية فشل متواصل من حماس لانتاج نشاط "تخريبي" معاد حقيقي في "يهودا والسامرة"، وحتى التظاهرات هناك لم تنل الزخم. يحتمل أن يحل فيها تغيير الآن بالذات بسبب التحريض في مؤتمر الدول الاسلامية في تركيا وعقب احساس الفلسطينيين، أن العالم الاسلامي وقف الى جانبهم في مواجهة تصريح الرئيس الأميركي. غير أن هذا عالم اسلامي متهكم على نحو مخيف لم يتجند كي يمنع مقتل اكثر من نصف مليون مسلم في سوريا على ايدي مسلمين آخرين؛ عالم اسلامي لا ينجح في وقف الحرب بين المسلمين في اليمن، والتي الدول التي تخوضها هي تركيا وايران، دول غير عربية تحلم باحلام الماضي للامبراطورية الفارسية والامبراطورية العثمانية، واللتين عانى العرب منهما غير قليل.
وعليه فلا غرو ان قسما هاما من العالم العربي تحفظ من المؤتمر، ونشـأ نوع من المحور السعودي – المصري – الخليجي، في الجانب المتحفظ في مواجهة المحور التركي – الايراني.
ينبغي الاخذ بالحسبان لامكانية أن تؤثر نتائج المؤتمر ايضا على التوتر في الجنوب. يحتمل أن تستمد الاطراف المختلفة التشجيع ايضا من الاجواء المناهضة لاسرائيل التي بثها المؤتمر فتتخذ خطوات اكثر حدة، اما الثمن فسيدفعه سكان القطاع، وليس "المحرضون" – زعماء ايران وتركيا.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد