عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 آب 2015

الإنكار

عدلي صادق

 

صدر باللغة العربية، عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية "مدار"، كتاب يائير أورون، بعنوان "المحرقة، الانبعاث والنكبة" الذي انجز ترجمته أسعد الزعبي. وفي الكتاب، أقرّ أورون، بأن جرائم الصهيونية في عام النكبة، فاقت ما عُرف حتى الآن، بل تخطت ما كان يعرفه الباحث نفسه، عندما كان يشتغل في الفصل الأول من الكتاب. ذلك ما جعل الرجل يكتب بصراحة، ان المجتمع اليهودي لا يستطيع خوض مواجهة لدحض الحقائق في هذا الموضوع، لذا انصرف هذا المجتمع، الى تدبير آليات إنكار وكبت للحقائق، بينما يتولى آخرون، الرطانة السفيهة، التي تشرعن أفعال الصهيونية!

لم ينسَ الباحث، في سياق ما كتب، موضوع ما يسمونه "المحرقة والانبعاث" أي تلك الجرائم النازية بحق المواطنين اليهود، التي لم يكن العرب والفلسطينيون هم الذين اقترفوها، وركز على يما يسمى "الانبعاث" أي إنشاء دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني ومصيره، وعلى أشلاء شهدائه ومساحات أرضه وعمائره واستقراره. لكن أورون، في وصفه العلاقة بين المحرقة هناك، وما جاء بعدها من "انبعاث" عندنا، ونكبة شعبنا التي تأسست على ذلك "الإنبعاث" بالمثلث الهندسي الذي ترتبط زواياه بعضها ببعض. ويشرح أن اثر الإثنتين الأولى والثانية، رافق وسيرافق الذهنية الصهيونية الى الأبد، مثلما سترافق نكبة فلسطين الذهنية العربية، باعتبارها حدثاً فاجعاً لا يُنسى ولا يُطوى. ويقول إن الطرفين اليهودي الصهيوني والفلسطيني، جعلا الكارثتين، عاملاً أساساً في بناء هوية كلٍ منهما وهي تتخذ سمات الضحية. والمأخذ هنا، على الباحث، أنه يتجاهل الفرق الشاسع، بين تكشيرة وجه الضحية، في وجه من ظلمها، وسفالة ضحية أخرى في وجه من لم يظلمها. بالعكس، إن الفلسطينيين والعرب، أحسنوا وفادة اليهود في بلادهم، عندما لاذت جموعهم الى أراضي العرب هرباً من محاكم التفتيش في غربي أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ولم ينشأ في الفضاء العربي، زعيم ديني وزمني، يقر بسفك دم اليهود كيهود، مثلما كان غريغوري التاسع. بل إن من سُفك دمهم في محاكم التفتيش تلك، كان اليهود ومعهم المسلمين الذين تحولوا عن دينهم.  لذا فإن تكشيرة المظلوم الفلسطيني، هي في وجهتها الصحيحة، أما التكشيرة الصهيونية فهي آثمة وناكرة للجميل، ناصبت من أحسنوا اليها العداء، وتوددت لأسلاف من ظلموها.

نقدر للباحث أورون، قوله إنه من دون أن يعلم الإسرائيليون، الجرائم التي ارتكبها قادة المشروع الصهيوني في العام 1948 دون أن يعترفوا بآثار هذه الجرائم المستمرة في المجتمع الفلسطيني. ولا نقدّر استدراكه قائلاً: "وبالتوازي من دون أن يعترف الفلسطينيون بالمحرقة ومغزاها المستمر في المجتمع الإسرائيلي - اليهودي؛ ليس ثمة احتمال لتحقيق مصالحة فعلية بين الشعبين"!

هنا، يختلق الباحث للشعب الفلسطيني وللعرب، إثماً لم يقترفوه، عندما يُعادل بين أمرين، أحدهما وقع والآخر ملفق. فالواقع أن الصهيونية استلبت فلسطين وشردت شعبها وتلاحقه بالنيران حتى اليوم، وهذه هي جريمتها التاريخية. أما الشعب الفلسطيني والعرب، فلم ينكروا المحرقة ولا مصلحة لهم في إنكارها، ولو أن النازيين استشاروهم في إبادة مزرعة دواجن بسبب انفلونزا الطيور، فلن ينصحوا بالإبادة. ثم إن الصراع الذي يدعو الباحث الى مصالحة لإنهائه، لم يكن بسبب إنكار الفلسطينيين والعرب لأية محرقة!

أخونا الباحث المرموق أنطوان شلحت، في إصداره للكتاب، عارض استنتاجات أورون، وقال إن نكبة شعبنا، بدأت خيوطها الأولى تلوح في الأفق، قبل أكثر من نصف القرن على المحرقة، وأن هذه المحرقة، لم تكن في عُرف آباء الصهيونية المؤسسين، إلا "خشبة قفز" الى مشروع أمبريالي، في عملية استغلال معيبة، لمعاناة الضحايا اليهود، لذا "فإن ما ينقص المقولة الرئيسة لكتاب أورون، هو أمر جوهري شديد الأهمية والدلالة، وهو رؤية ما يُسمى "الانبعاث" باعتباره نشأ بخطيئة النكبة وطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من وطنهم، تحت وطأة الإيمان الأعمى بـ "حق اليهود التاريخي في فلسطين" ومن خلال تجييش المحرقة"!

ينصح انطوان شلحت الباحث أورون، بالقول إن التكفير عن الخطيئة، يبدأ بالاعتراف أولا باقترافها من دون قيد أوشرط، ومن ثم تحمل المسؤولية عن الأخلاقية عن حل يُعيد الحق الى أصحابه. وبالطبع، يعرف شلحت أن معسكر الأوغاد الذين تمسكوا بالإنكار، ومعهم الذين يبررون الخطيئة، هو الذي يحكم الآن في إسرائيل، وهو الذي يروّج للاستمرار في الخطيئة!