كذا هو يا دنيا
محمد علي طه
ربطتني بوثاق من فلّ وحرير بعائلة مخّول العربيّة الفلسطينيّة الكريمة ثلاث شجرات أوّلها سنديانة جليليّة وثانيها نخلة عربيّة وثالثها زيتونة سوريّة..ثلاث شخصيّات اجتماعيّة ثقافيّة شكّلت مثلّثا متساوي الأضلاع لصداقة دائمة, وكان الضّلع الأوّل منه صديقي الشّاعر العروبيّ الوطنيّ المرحوم منيب مخّول ذلك الرجل الذي كان عنفوانه واباؤه واعتداده بنفسه وبقومه يعيد الى أذهان أصدقائه ومعارفه صورة أبي فراس الحمدانيّ الشّاعر الفارس وهو يردّد بيته المشهور:
سيذكرني قومي اذا جدّ جدّهم *** وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
وأمّا الضّلع الثّاني فكان صديقي الشّاعر المرحوم نخلة مخّول الرّجل الهادئ البشوش الذي يعيد الى الذّهن عذوبة ماء عين البلدة, وكنت كلّما التقيته طلبت منه أن يسمعني ما تيسّر من قصائده خفيفة الظّلّ فيملأ صدري فرحا ويجلو نفسي من الهمّ وما أكثر هموم هذا الزّمان!
وأمّا قاعدة المثلّث وعمدته فهو المربّي والأديب والمعلّم أبو فراس حنّا مخّول الذّي عرفته في أوائل السّتّينات من القرن الماضي فشدّني اليه بحديثه الدّافئ الذي تعبق منه فصاحة الغساسنة وفخامة ضاد التّغلبيّين وشذا أزهار الجليل الأعلى وصلابة بلّوطه.
كان أبو فراس أربعة أقانيم في جسدٍ قرويٍّ قويّ يحمل روحا وثّابة تنشد العزّة والكرامة. أوّلها: كان تلميذا وفيّا مخلصا لمعلّمه ومدرّسه وشيخه العالم العلّامة, والمربّي الشّامخ القامة, الأديب اللغويّ خليل السّكاكينيّ, انسان ان شاء الله, ويحرص أن يكون صورة عنه في عزّة النّفس والتربية الحديثة وحبّ اللغة والصّفات الانسانيّة الساميّة, ومكمّلا لرسالته –صورة المربّي الانسان الكبير, وقلّما وجدت تلميذًا نجيبًا متعلّقًا فكرًا وروحًا ودربًا بمعلّمه مثلما وجدت العلاقة بين حنّا وبين خليل, فنعم المعلّم ونعم التّلميذ.
وأمّا الأُقنوم الثاني فكان حنّا فارس مخول عاشقا متيّما للغة العربيّة يهوى نحوها من أبي الأسود الدّؤليّ حتّى حبيب الشّرتونيّ، ويحفظ أشعارها من نونيّة عمرو بن كلثوم ولاميّة الشّنفرى حتّى حبشيّ ابراهيم طوقان وداليّة الكرميّ, ويروي طرائفها من الأغاني حتّى نقل الأديب, ويغار عليها, نحوًا وصرفًا ولفظًا وكتابة, مثلما يغار قيس على ليلاه أو لبناه، ويذود عنها مثلما يحمي الفتّى اليعربيّ الأبيّ عِرض أخته وشرف ابنته وعتبة بيته.
وأمّا الثّالث فهو الوليد الشّرعيّ لسابقيه فقد أورث أبو فراس أولاده من البنين والبنات جينات عشق لغة الضّاد. وهذا القول أو الرّأي لا يحتاج إلى مختبر علميّ أو بحث طبيّ أو تصنيف لغويّ لاتينيّ يسبق كلمة "لوجيا" لأنّ من تأكيد المؤكّد بأنّ أولاده ساروا على دربه ونشأوا وترعرعوا أوفياء للغة الجاحظ وأبي حيّان وابن عبد ربّه، يحرسونها من العجمة ومن اللحن ومن الاسفاف, كما غرس في عقول وقلوب تلاميذه طيلة عقود, وهم كثرُ، حبّ العربيّة, هذا الحبّ الذي يقود الى حبّ العروبة والاعتداد بالانتساب اليها, ويعني فيما يعنيه حبّ هذا الوطن الجميل وحبّ قرية البقيعة وجبالها وهوائها ومائها, وحبّ ترشيحا ونسيمها العليل، وحبّ القدس ومساجدها وكنائسها وعروبتها ورائحة أبنيتها، وحبّ بلدة البصّة وسهلها وبحرها, البصّة الباقيّة في الضمير وفي الرّوح, ويعني حبّ رسول السّلام ورسالته التي تغمر البشريّة محبّة.
ولا عجب أن أنجبت البقيعة جيلا من الشّعراء والأدباء البارزين الذين ساهموا في ترسيخ اللغة العربيّة بعد النّكبة في هذه الديار، وفي تحدّي سياسة التّجهيل, أنجبت جيلا رضع حبّ اللغة وحبّ الأدب وحبّ الشّعر وحبّ مغامرة الابداع من ثدي حنّا مخّول. فنعم المرضعة ونعم الرّضّع.!
وأمّا الاٌقنوم الرّابع ويكون ديمة على ما سبقه فهو الحرص على الصّداقة والاصدقاء والتّمسّك بالصّديق في زمن مادّي صار الخلّ الوفيّ فيه حلما كالوحدة العربيّة, وهذا يعني الليونة والبشاشة والمرونة ولكنّ أبا فراس كان أيضا لا يتنازل ولا يتهادن قيد أنملة في قضايا الحقّ والكرامة مردّدا شعار شيخه ومقولة معلّم معلّمه أبي الطّيّب المتنبّيّ "كذا أنا يا دنيا!!".
كان أبو فراس مخّول معتدّا بشيخه ويحقّ له أن يعتدّ بشيخٍ معلّمٍ مثله ترك لنا ارثا تربويّا ثقافيّا لغويّا وطنيّا انسانيّا.
وكان الرّجل فخورا بأبنائه وبناته وأعتقد أنّ من ينجب مثل هؤلاء الأبناء والبنات الوطنيّين المناضلين المتعلّمين المثقّفين يحقّ له أن يتّصف بصفات جبل ابن خفاجة: طمّاح الذّؤابة شامخ يطاول أعنان السّماء بغارب.. ووقورٌ على ظهر الفلاة أيضا.
وكان حنّا فارس مخّول ملتصقا ببلدته ومن يملك هذا التّراب وهذا الشّجر وهذا الحجر وهذا الجبل وهذا السّفح وهذا الشٍّعب يحقّ له أن يرتبط به وأن يكون أمّا عليه وأما فيه.
وكان صديقنا يعتّز بالدّوحة المخّوليّة، يفخر بها وتفخر به, لا تشدّه عصبيّة قبليّة اليها بل يشدّه ما فيها من مناقب عربيّة.
يا أبا فراس, يا حنّا, يا أخي لا يموت من ترك مثل هذه الذريّة من الابناء ومن البنات ومن هذا الزرع والقمح النّورسيّ على سفوح الجليل من الجرمق حتّى سيف البحر.
ذكراك باقيّة تصدح: "كذا أنا يا دنيا" من قلم أبي الطّيّب الى ريشة أبي سريّ الى يراع أبي فراس, ورثها كابر عن كابر, كذا هو يا دنيا!!!
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!