عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 21 تشرين الثاني 2017

غباي يتسبب بضرر كبير

هآرتس - بقلم: رامي لفني

لقد تعبنا من الحديث عن الهراء الذي يطلقه آفي غباي. لقد مللنا من الانجرار الى الموقف اليساري الواعظ الصديق. من المتعب أن تكون مرة اخرى متكدرا وساخرا تجاه حزب العمل ورؤساءه، وقد ضاقت النفس من النزاعات التطهرية داخل المعسكر، والقلب يتوق الى بشائر اخرى والى روح كريمة وموحدة وتحسين المعنويات المحبطة، لكن لا يمكن حل اقوال غباي كتفاهات، حكايات وألاعيب سياسية عابرة، حيث تعتبر جميعها مجرد كلمات. هذه الكلمات – كجزء من مقاربة ثابتة، مبنية على كلمات حساسة، تغير اليسار.

هذه الكلمات تغذي خطوات عميقة لتلاشي ايديولوجي – كما أن بلاغة شيلي يحيموفيتش المؤيدة للمستوطنين، بصفتها رئيسة حزب العمل، وضد التركيز على السلام، تركت ارثا سلبيا، ومثلما أن اقوال اسحق هرتسوغ بعدم وجود امكانية للسلام مع الفلسطينيين في السنوات القريبة القادمة وموقفه الاعتذاري، تركت ارثا ضارا على الحزب ومؤيديه. ايضا الخط الذي يقوده غباي سيكون له تأثير بعيد المدى، وزملاءه في الحزب يعرفون ذلك. لذلك فانهم يصمون الآذان عن تصريحاته، وصمتهم البائس يصادق على صحة هذه التصريحات.

إن أكثر من يثير اليأس في ادعاءاته هو أن اليسار "نسي ما معنى أن يكون يهوديا" وتخلى عن هويته اليهودية لصالح ليبرالية لا جذور لها. لقد سبق ذلك اقوال مثيرة للغضب عن الايمان بالله وعن التوراة، والتفاخر بكونه تقليدي ويحمل القبعة في جيبه.

المشكلة ليست طريقة حياة غباي. فقد سبق وكانت شخصيات كبيرة في اليسار الصهيوني حافظوا على الفرائض، بل المشكلة هي أنه بسبب جهله وانتهازيته، يشوه رؤية اليسار للدين والدولة. ويخلق تشويشًا واحراجًا بشأن "الهوية اليهودية" لحركة العمل ويتبنى التشهير المعروف لليمين، الذي يقضي بأن العلمانية السياسية لليسار ليست حجر الاساس في التفكير القومي الاشتراكي – الديمقراطي له، بل هي تعبير عن التعالي والانفصال. غباي يدعي فعليا أن هرتسل، دافيد بن غوريون، بيرل كتسنلسون، اسحق رابين وشمعون بيريس لم يكونوا يهودا تماما، لأنهم كانوا علمانيين، وفي الاساس سعوا الى دمج السياسة الجديدة في صورة عالم علماني عقلاني.

من يحتج على صدق الرواية اليهودية لليسار الاسرائيلي لا يعرف أي شيء عن التاريخ السياسي للشعب اليهودي ودولة اسرائيل. لأن جذور اليسار الفكرية هي في حركة التنور اليهودية وفي الفكر الصهيوني – فرعان وضعا الجسم الاكبر وذو العلاقة للانشغال بالهوية اليهودية الحديثة ومعناها، أكثر مما يستطيع اليمين المتدين أن يطرحه. اليسار أخذ من التنور الفصل بين الدين والسياسة "كن يهوديا في بيتك وانسانا في الخارج". ومن الصهيونية أخذ وضع القومية وليس الدين كقاعدة جديدة للتضامن المجتمعي اليهودي.

باستثناء هوامش بسيطة، اليسار الاسرائيلي لم يتنازل في أي يوم عن يهوديته، بل أسسها على القومية اليهودية بدل الدين. هذا أحد الفروق التي تميزه عن اليمين. وعليه تستند الفجوات بينهما في مواضيع ارض اسرائيل وطابع الدولة والمواطنة والتعامل مع الاقليات. لا يوجد لليسار حق في الوجود، في اسرائيل وفي العالم، دون مبدأ العلمانية السياسية. فقط هذا المبدأ يمكنه أن يكون الاساس لشراكة شجاعة بين المتدينين والتقليديين والعلمانيين.

يعتقد غباي أن هذا لا يكفي، وأن ابعاد الدين عن الجماهيرية السياسية، يخلق "عجزا يهوديا" لليسار. وعندما يلتقط صورة في صلاة في احتفال عام كرئيس لحزب العمل، فانه لا يقوم بذلك تعبيرا عن ايمانه الشخصي الذي يجب احترامه، بل هو يدمج بشكل متعمد الدين والسياسة – مثل نفتالي بينيت – ويضر بالانجاز التاريخي الهش لليسار العلماني الذي نجح في فصل السلطتين.

غباي يطرح يهودية اليسار العلماني على أنها فارغة، بتعارض مشوه للآباء المؤسسين لحركته، الذين اعتقدوا أن هذه يهودية كاملة، بل أكثر كمالا من يهودية اليمين، لأنها غير قائمة على الارجل الضعيفة للدين والفلوكلور، بل على قومية يهودية، تشمل كل عناصر الحياة. هذه الرؤية كانت مصدر قوة اليسار، لا مصدر ضعفه. غباي يتسبب بضرر كبير. في حزب سليم كان هناك من سينهض للتصادم معه. ومن هنا يجب عليه دفع ثمن افعاله.