عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 22 آب 2015

في يوم إحراق الأقصى

عدلي صادق

في لحظة سماعنا نبأ، إحراق الجناح الشرقي من المسجد الأقصى، وفيه منبر صلاح الدين، في الحادي والعشرين من آب 1969لم نكن عرباً وفلسطينيين حصراً، جربنا الإحساس بالقنوط، الذي يغمرنا اليوم، ولا الشعور بقلة حيلتنا إزاء عدو يطغى على أمرنا!

كان العبد لله، مع رفاقه في دورة الاختصاص البحرية، على الساحل السوري شمال اللاذقية. يرعانا أمين سر الحركة، في مخيم الرمل، غالب عويس، وفي صحبة آمر دورتنا خالد طنطش، ومعنا البحري العكاوي العتيق، والشهيد فيما بعد، قاسم أبو خضرا، والقبطان فضل يونس، القائم على تأسيس القاعدة وورشة صناعة الزوارق لكي يظل المكان، أثناء وبعد الدورة قاعدة تدريب، ونقطة إمداد وانطلاق لعمليات عبر البحر. جاءنا غالب عويس (أبو نزار) من مخيم الرمل، وهو يعرف أننا علمنا بالنبأ من خلال المذياع، ما يقتضي اجتماع الأهل لمناسبات الأحزان. كنا في ذلك الوقت، في أوج الزخم الثوري، متفائلين بالمستقبل، ونسعى كل جهدنا لتطوير قدراتنا القتالية. وعندما اجتمعنا في مهجع الإعاشة، وقف واحد من زملائنا، وهو يمتاز غالباً بهدوء الطباع، ففجأنا بإطلاق النار حزناً وتنفيساً، عبر النافذة العريضة في اتجاه البحر، حتى أفرغ مخزن الرصاص، ثم طرح البندقية أرضاً!  

كأنما أراد الزميل، الإعراب عن الأسف لبُعد المسافة بيننا وبين أولى القبلتين. هو وافد جديد، آنذاك، جاء من الكويت ويتعجل الوصول الى ساح القتال، أما معظمنا، وكنا وافدين من مناطق انتشار عسكري، فقد أحسسنا بالحرج لكوننا بعيدين عن خطوط الاشتباك. بل إن بعض ذلك البعض، أعرب عن رغبته في ترك الدورة والعودة الى القواعد القريبة، مكتفياً بتدريبه الأساسي.

لم يكن عنفوان الروح، آنذاك، يقتصر علينا كمقاتلين أو كفلسطينيين. سرعان ما رفرفت من فوق أسطح المنازل السورية، الرايات السوداء، علماً بأن بلدة برج اسلام تحديداً، ذات أغلبية من أصول تركية سكنت المنطقة، أما الناس من الأصول العربية، فهم خليط من المذاهب والأديان، وكانوا جميعاً يتعايشون بمحبة، وفلسطين هي جرحهم جميعاً، ولا جرح أكثر إيلاما من جرحها!

في المساء، جاءنا للمشاطرة في الحزن، عمال مصنع الإسمنت المجاور. وقال لنا غالب عويس، إن المقاتلين يتكاثرون، والجبهات تشتعل من مصر والأردن وسوريا، ولا بد من إتمام دورتكم، فالحرب طويلة، وثورتكم أحوج ما تكون الى متدربين على القتال في البحر. كانت تغمرنا مشاعر الأمل والتفاؤل بإنقاذ الأقصى بأيدينا عرباً وفلسطينيين. لم تكن الأوطان تنم عن أي احتمال لأن تتحول الى مصائد وأفخاخ، وأن يحدث أي انسداد للجبهات، طالما أن الأراضي محتلة. وليت التداعي، وقف عند إغلاق الجبهات، على أن تعم السعادة والوئام في أوطان الأمة، بل فُتحت جبهات احتراب، إقليمية وداخلية، فوقعت الحرب مع إيران، ثم أزمة الخليج التي تفرعت الى كوابيس متناسلة، فاحتُلت العراق، ثم خرجت الأصوليات المتخلفة من قماقمها، وانفلتت الثأريات مستدعاة من "خراريف" ماض بعيد، وانفجرت سوريا نفسها، وانهارت ليبيا التي بدأت ثورة كنت أول من سمع نبأها من راديو الترانزستور، أثناء نوبة الحراسة بين اشجار التين، عند مدخل القاعدة في برج اسلام، وانفجرت بعدها اليمن، وأصيبت مصر بجرثومة الإرهاب، ولا زلنا نمضي على درب الآلام!