الإرهاب جلاب الخراب
عدلي صادق
يفتش واحدنا عن سبب الخسائر الكبيرة في البورصة المصرية، خلال الجلسات الست الأخيرة المنتهية أمس؛ فلا يجد سوى سببين، أولهما مخاطر موهومة في البيئة الاستثمارية، والثاني هو الاضطراب الاقتصادي العالمي، الناجم عن تراجع أسعار البترول. خسائر الجلسات الست الأخيرة في البورصة، بلغت نحو 62 مليار دولار. وعندما نفتش عن أثر الاضطرابات والحروب على اقتصادات الدول العربية، وهي كارثية بالطبع، نجد أن السعودية نفسها تواجه عجزاً غير مسبوق في موازنتها، بلغ نحو 39 مليار دولار، جعلها مضطرة لإصدار سندات تبيعها للمواطنين. وقد شُطبت اقتصادات سوريا واليمن ولبنان، ويئن الاقتصاد العراقي، وتنخفض بورصة قطر وتتدهور قيمة الليرة التركية!
ذلك كله، بسبب التطرف والغلو في الدين وأجندات إخماد أو إشعال الفتن، فيما الضحايا بعشرات الملايين على الأقل، والدماء تسيل أنهاراً.
مثلما فعل المصريون، على الصعيد الأمني، لمكافحة الإرهاب؛ استدركوا مخاطر اللعب في الوضع الاقتصادي وحاولوا سد الثغرات في سوق المال، لإحباط ممارسات غسيل الأموال، ولتنشيط الصكوك المالية لكي تصبح أداة اقتصادية فاعلة. وقد شكلت مصر لذلك لجنة للتشريعات الاقتصادية، ورفعت نسبة رسوم قيد الأوراق المالية من 2 في الألف الى 2 في المئة، لكي تُحال الى الخزينة العامة الرسوم المجزية للمجتمع لا المجزية للرأسماليين.
ما تشهده مصر الآن، في موازاة مكافحة الإرهاب، هو بمثابة سباق مع الزمن، للتقليل من التداعيات الاقتصادية للتدابير الأمنية في سياق هذه المكافحة. ويتحمل فقراء المصريين ارتفاع الأسعار ويراعون ظروف بلادهم. لكن بعض المستثمرين، فقدوا ما يُسمى باللغة الاقتصادية "الثبات الانفعالي" واندفعوا للتخلص من الأسهم بأي ثمن، ما جعل الدولة تسارع الى تعزيز الإدارة الاقتصادية التي تحمي المتعاملين في السوق المالية، من الآثار المحتملة على البورصة في هذا الخضم الصعب!
وكان لمصادر تمويل الإرهاب، دورها في إرباك السوق المالية، لذا اضطرت الدولة الى إدخال تعديلات على المادة الخاصة بالمسؤولية الجنائية لمدراء البنوك والشركات، لكي تتحدد هذه المسوؤلية على أي مدير متى ثبت علمه بجريمة التمويل تحت أي قناع أو غطاء.
غاية القول إن التطرف الديني، هو جلاب خراب البيوت، وهذه هي مهمته التي يمكن أن ينجح في أدائها. أما غير ذلك من مهام، كتأسيس دولة يحكمها متطرفون، أو ضمانات دخول الى الجنة، أو نيل إعجاب الشعوب، فهذه كلها أضغاث أحلام. فالمعتوهون المجرمون الذين يقتلون الجنود في سيناء، يخربون بيوت الناس إن نجت من سفكهم لدمها، وفي المحصلة، لن تُقام إمارة ولا دولة خلافة، ولن يكون ثمة قيمة في التاريخ لإعلان البيعة لبغدادي أو طنطاوي. إن هؤلاء منتجو فقر وضغائن وشقاء. ومن منظورنا الفلسطيني، ليس ما يجري في مصر، إلا نكبة أخرى لفلسطين وتعميقاً لمعاناتنا تحت الاحتلال وفي داخل الحصار. فالخارجون من غزة، عند فتح المعبر، يرون بأمهات عيونهم، من خلال الطرق الالتفافية، مشهد الحرب وتموضع القوات المدافعة عن جزء مهم من البلاد، حرره أبناء القوات المسلحة بدمهم. والمفارقة أن المحتلين الصهاينة، على بعد أمتار، يتفرجون فرحين، لأن الأوغاد الذين شنوا الحرب على مصر، التي تنام ريح العرب إن نامت ريحها؛ ليسوا معنيين بأية قضية نبيلة. ومن نتائج عملهم، أن تأذينا نحن من الحال الأمنية في مصر، واختلطت الأوراق في أذهان البعض الضحل في الاجتماع والسياسة والتاريخ، الذي لا يعرف أن أمن مصر ورخاءها وقوتها، على مسطرة قياس الفلسطيني، هي أمن ورخاء وقوة لفلسطين وقضيتها!
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!