القوة الناعمة
عدلي صادق
ليس أكثر تشويقاً، من قراءة كتاب "القوة الناعمة" الذي أصدره جوزيف ناي في العام 2004 فأدخل من خلاله، هذا التعبير، الذي سبق أن صاغه ناي نفسه في أواخر الثمانينيات، الى قاموس السياسة.
"هو جينتاو" الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي الصيني، صاحب الولاية السياسية على أضخم نظام شمولي على سطح الأرض؛ استفاد من كتاب جوزيف ناي. ربما لأن "هو جينتاو" بدأ حياته مهندساً مائياً. فمهندسو المياه مسكونون بحكم وظيفتهم، بهاجس الانسياب السلس والضخ الذي يُحيي ولا يُميت، ناهيك عن تأثر الرجل الذي تربى يتيماً، بتجربة مثيرة مع القوة الغليظة التي راح ضحيتها أبوه. أما العسكر، فإنهم على النقيض، ميالون بطبيعتهم ـ إلا من رحم ربي ـ الى العنف والنيران، في الهجوم والدفاع!
للقوة الناعمة لغتها ومسارها. فصاحب الكتاب، يقرر أن "المصداقية تُعد أندر الموارد" وليس أفضل من الشفافية والسخاء المادي والأريحية المعنوية، للتأثير في الرأي العام. كان وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس (2006 ـ 2011) قرأ كتاب "القوة الناعمة" قبل أن يستلم مهام وظيفته، من الغليظ دونالد رامسفيلد، فقال يوم أن تسلم صلاحياته "لا بد من تعزيز القوة الأميركية الناعمة، بزيادة الإنفاق على الوسائل المدنية لا الأمنية للإقناع، في إطار خطط الأمن القومي نفسه، والتركيز أكثر، على الاتصالات والمساعدات ومشروعات التنمية وتأسيس الوداد مع الآخرين". وقد جعل هذا الولايات المتحدة، صاحبة القوة الناعمة الأكبر في موازاة قوتها الغليظة التي لا ينكرها كل ذي بصر وبصيرة. ويقيني أن ما تربحه اميركا، بالقوة الغليظة، هو الذي يحول ربح القوة الناعمة الى خسارة!
للقوة الناعمة، وظيفة رئيسة، وهي بناء قوة روحية ومعنوية للدولة أو للحكم، أو للمؤسسة المعنية مباشرة بالعلاقة مع المجتمع، بل إن لهذه القوة الناعمة لزومها في علاقات الرجل الشخصية مع محيطه، وفي علاقة المرأة بمن تحب. فعندما تتغالظ هذه الأخيرة و"تتعنطز" فإنها تخسر ما ربحته بالقوة الناعمة.
الأميركيون، اشتغلوا على دعم مسارات القوة الناعمة، في العالم العربي، لتستفيد منها الديكتاتوريات. فمن ذا الذي ينسى، أنها في الخمسينيات والستينيات، دخلت مستترة على خط المدارس الأدبية الحداثية، ذات الأشعار الغامضة وتهويماتها، وقصائد الغيمة التي تلد فأراً، ولا تصارح في شيء، ودعمت إصدارات رآها الواهمون بوابات أمل للحداثة والبحبحة، مثل مجلة "الآداب" التي أصدرها في بيروت، دارس الشريعة الشيخ سهيل إدريس في مستهل الخمسينيات، مع اثنين من أصحابه العلمانيين، فدخلت CIA)) مقنّعة بلثام منظمة أهلية، لتدعم المجلة التي نذرت نفسها لدعم شعر التفعيلة الحداثي والموسيقا، فخلع الصاحبان العلمانيان، منير البعلبكي وبهيج عثمان، وبقي الشيخ في المجلة، يتبنى الوجودية والتجديف على الله، ودعم وخط شعر الغيمة ولاّدة الفأر!
مثلما يحتاج الحاكم العربي، للقوة الناعمة، في استخدامها الحميد والوطني، فإن المستكبر الاستعماري يحتاجها للاستخدام الخبيث، ودس السم في الدسم.
ذات حدث في السجن، فوجئنا ذات صباح، بأوعية الطعام البليدة، وقد فاحت منها رائحة الفول المدمس، الذي لم تشم أنوفنا رائحته منذ سنوات. اندهش الشباب وتشكلت أسئلة بمعان ضمنية: هل هي ترضية من القوة الغليظة، لتتبدى وكأنها رهيفة القلب حريصة على بهجة ذائقتنا، وهي المتعسفة مع أجسادنا وأمراضنا وعواطفنا ومصائرنا؟
جاء الجواب في صرخة من صديقي الظريف اليساري الراحل عبد الله أبو العطا، بصوته الخشن، وبنبرة تحذير صارمة: إنها خطة خبيثة لتمييع الصراع!
كان محض طبق فول، يؤذن بلعبة كبيرة، فما بالنا بألعاب المستعمرين والمستبدين، وهي كثيرة وكبيرة ومتنوعة!
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!