عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 06 أيلول 2017

مخلوق خطير

معاريف - بقلم: بن كسبيت

ظاهرة مثل "اسرائيل اليوم" لم يُشهد لها مثيل في أي ديمقراطية حديثة منذ اختراع الجريدة. هذا اختراع اسرائيلي ذكي، مخطط، ممول وخطير. وقد احتفلت بعشر سنوات على مولدها في تموز الماضي – ولكن الان فقط، بتأخير جسيم ومحمل بالمصيبة، بدأ حماة الحمى يفهمون عما اغمضوا عيونهم كل هذه السنين وأي ضرر هائل الحقوه. لقد رسم العنوان  على الحائط (وفي هذه الصفحات) من اللحظة الاولى، ولكن من كان ينبغي له أن يقرأه فضل النظر في الاتجاه الاخر. وعشعش الخوف في القلوب ولم يرغب احد في أن يتورط مع القيصر الذي في بلفور، او مع طريق التصفية الذي بناه لنفسه في شارع هشلوشا في تل أبيب. لم يتجرأ احد على رفع اليد على الدمية الملكية.

تعالوا نجري بعض الترتيب: لا يوجد اي شيء مرفوض في الجريدة. كما لا يوجد اي شيء غير قانوني في صحيفة حزبية أو ايديولوجية. المشكلة تنشأ عندما يرتبط هذان الاثنان في جسم واحد ليخلقا عرضا عابثا. هذا بالضبط ما فعلوه مع "اسرائيل اليوم". ايديولوجيتها بسيطة: سلامة وازدهار العائلة الملكية التي في بلفور. وبخلاف الجرائد التي تقوم على اساس أسرة تحرير هزيلة، ازدهار بالحد الادنى وشكل لا يدعي احتواء صحافة حقيقية، فان "اسرائيل اليوم" تخفت في صورة صحيفة حقيقية. سلسلة طويلة وباهظة الثمن من المواهب الرائدة، ملاحق مستثمر فيها، اسرة تحرير دسمة، عناوين رئيسة وقصص وصور ملونة وكل ما يفترض بصحيفة تحترم نفسها ان تعرضه على قرائها. المشكلة هي أن "اسرائيل اليوم" كانت صحيفة تقريبا مثلما كان بينوكيو طفلا حقيقيا. حين لا تكون جينات صحفية، فلا يمكن لاي مجموعة موهوبة أن تنجح في اقناع الجمهور بان هذه صحيفة. شيلدون أدلسون بدأ يفهم هذا مؤخرا فقط، حين بدا نتنياهو نفسه ايضا يشكو من انه رغم الاستثمار الهائل "ليس لـ "اسرائيل اليوم" تأثير". والان يحاول ادلسون تغيير الاتجاه، ولكن يخيل لي ان هذا بات متأخرا.

في كل مرة تباهى فيها مسؤولو هذه الصحيفة في حجم نشرهم الفاخر، ضحكت. رغم أن هذا ليس مضحكا على الاطلاق. فانتشار "اسرائيل اليوم" متعلق فقط بعامل واحد: الميزانية التي تضعها عائلة ادلسون في صالح الطباعة والنشر. عندما يوزع على الاسرائيليين شيء ما بالمجان، فانهم يأخذونه. وبقدر ما تكون الاعداد التي تدفع نحو الجمهور في الشوارع، هكذا يكون الانتشار. لا توجد هنا منافسة على قلب القاريء. لا يوجد تحد. لا توجد هنا منافسة. "اسرائيل اليوم" جاءت لتنشر مذهب بلفور على اساس يومي وتحطيم المنافسين الذين يفكرون بشكل مختلف. كيف التحطيم؟ اولا، بالانتشار. ثانيا، بالاعلانات. تحقيق صحفي نشر في "العين السابعة" تبين كيف خفضت "اسرائيل اليوم" اسعار الاعلانات بنية مبيتة. فهذا لم يكن يهم حقا الجيب العميقة لادلسون. أما "معاريف"، "هآرتس" وبالاساس "يديعوت احرونوت" فكان لها هذا مثابة الكارثة. نتنياهو لم يكتفِ ببوق دعاية خاص ناجع، أراد ايضا أن ينزل خصومه الكبار على ركبهم، وربما حتى يحطمهم. وكاد ينجح.

على مدى سنين ازدهرت "اسرائيل اليوم" بين علية القوم ايضا، إذ اعتمدت على الكراهية المتراكمة لـ "يديعوت احرونوت". وهنا من الواجب أن نشدد على أن "يديعوت" اكتسبت هذه الكراهية باستقامة. فحتى ظهور الادلسونيين، كانت "يديعوت" الوحش المحلي. فقد سيطرت على السوق بلا كوابح وداست على الجميع، ولم ترى احدا من مسافة متر. ولكن رغم كل هذا ورغم أن معظم حياتي المهنية قضيتها  في كفاح عنيد ضد احتكار "يديعوت"  لا يمكن القول بأن ما انتجته عائلة موزيس لم تكن صحيفة. نعم، تحدثوا عن قوائم كهذه وتلك، عن روح القائد وماذا لم يتحدثوا عنه، ولكن في السطر الاخير كان لـ "يديعوت" وستكون روح صحفية. لشدة المفارقة انكشف هذا حتى في محادثات موزيس – نتنياهو حين شرح "نوني" نفسه لرئيس الوزراء بان ليس لديه سيطرة على كبار صحافييه. ففي "يديعوت" لن يحلموا بالاخفاء التام عن رفع لائحة اتهام او ادانة حبيب أسرة التحرير ايهود اولمرت. التحرير يمكن أن يكون مغرضا، التواضع في النشر أو الابراز فيه يمكن ان يكونا مصابين بهذا التفضيل أو ذاك. ولكن احدا لن يتجرأ على اجراء عملية غصب فظة في الواقع أو في الحقائق. المثال الافضل هو سلوك "يديعوت" بعد كشف محادثات بيبي – نوني، الذي كان يثير الاحترام، مقابل الطريقة التي اختارت فيها "اسرائيل اليوم" نشر كشف مواعيد المكالمات بين نتنياهو وادلسون وعاموس ريغف: في المكان الاقصى  من صفحة الثرثرة. فهذا على ما يبدو لم يضحكهم.

أمس (الاول) سُمعت ايضا ادعاءات تقول ان كل السياسيين الكبار يتحدثون مع صحافيين كبار، وبالاساس عشية الانتخابات. ليس لهذا الادعاء اي اساس او صلة بالحالة التي أمامنا. فالصحافي المهني يسعى الى الاتصال بالسياسيين، الى تشجيعهم على الحديث وسماعهم والتأكد مما يروون له ومقارنته بالمصادر الاخرى والوصول في النهاية الى ناتج مهني مناسب، الى هذا الحد أو ذاك. اما في "اسرائيل اليوم" فهذه العملية غير موجودة. وكشف المكالمات الذي قاد اليه دروكر يثبت كل ما نعرفه نحن من اللحظة: هذا بوق ليس إلا. نتنياهو يملي، ريغف يسجل وينشر. كل هذا تحت قناع صحيفة.

هاكم مقارنة اخرى ستساعد على فهم الموضوع: عاموس ريغف لم يبدأ حياته المهنية في "اسرائيل اليوم"، بل العكس انهاها هناك، وانا مقتنع بانه نادم على كل لحظة. عاموس ريغف كان رئيس دائرة الاخبار في "معاريف". وفي حينه ايضا، كان معجبا ومقربا من بنيامين نتنياهو. ولكن في حينه كان جزءا من صحيفة حقيقية، وهو نفسه كان صحافيا حقيقيا. في أيامه في "معاريف" قاد ريغف غير قليل من القصص القاسية عن الزوجين نتنياهو. كانت هذه ولاية بيبي الاولى كرئيس للوزراء والاحتفال كان عظيما. ريغف لم يكن متحيزا. تفضيلاته الشخصية والسياسية ابقاها لنفسه. في حينه أيضا، ما كان ليرفض تلقي مكالمة هاتفية من رئيس الوزراء قبل ربع ساعة من منتصف الليل. ولكن في حينه ما كان ليقبل ما يملى عليه وكأنه مقدس. كان سيفحص، كان سيقارن المعلومات، كان سيمرر هذا في اختبار صحفي مهني. اما في "اسرائيل اليوم" فلا يوجد اختبار كهذا. فهو يتعارض مع مجرد وجود المشروع.

لقد أنزلت "اسرائيل اليوم" الصحافة الاسرائيلية المطبوعة على ركبتيها. تحت رعاية بؤس حماة الحمى، اغماض عين مراقبي  الدولة على أجيالهم، تجاهل المستشارين القانونيين للحكومة، سذاجة لجان الانتخابات المركزية والشماتة بالموزيسيين، كل هذا انتج هنا وحشا لا مثيل له في اي مكان ديمقراطي آخر في العالم. هذا تمويل حزبي ممنوع، امتياز انتخابي أشوه، عبادة شخصية تكلف المليارات وتعتمد على مال اجنبي له هدف واحد: تخويف الجمهور من كل ما ليس نتنياهو، استهداف وتصفية كل من يهدد نتنياهو، فرض الرعب على كل من يفكر بامكانية التمرد على نتنياهو. هذه هي الحقيقة. يعرفها الجميع. والان بدأوا ايضا يفهمون معناها.