عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 آب 2015

صورة من هناك

سما حسن

 قديما كان جدي رحمه الله يردد "احذروا الشعراء"، وكنت أعتقد أنه يريد تحذيرنا من الشعراء الذين نحبهم ونحفظ أشعارهم خصوصا في سنوات المراهقة والصبا التي ترافقت مع انتفاضة الحجارة، ولكن مقصد جدي كان مختلفا لأنه كان يقصد الحلاق الذي يحلق له شعره والعمال الذين نستقدمهم لانجاز بعض الأعمال في بيوتنا مثل الدهان والبلاط.

كان جدي مشهورا بالكرم فهو فلاح أصيل وحين أصبح في غزة بعد النكبة ظل يعيش على ذكريات الماضي الجميل والكرم الذي كان يشتهر به أهل قريته.

 ولذلك كان جدي وحين تقدم به العمر يستقدم الحلاق إلى بيتنا ليحلق له شعره ولحيته وشاربه وينظف أذنيه وأنفه من الشعر الزائد وكنت أستغرب فعلا كيف ينمو الشعر في هذه الأجزاء من جسم جدي فاعتبرته في طفولتي مخلوقا خارقا وهكذا كان موعد أمي أن تعد وجبة طعام دسمة للحلاق والذي أصبح يصطحب معه شقيقه لكي ينعما بما يقدمه جدي وبعد أن يفرغ من عمله يمنحه جدي ورقة نقدية لامعة جديدة بلا تمزقات ولا انثناءات وحين يغادر المكان وأقوم أنا بتنظيف بقايا شعر " الكائن الاسطوري" يردد جدي:" الحلاق شاعر".

 وعلمنا جدي الكرم مع العمال أيضا وما استقدم عاملا إلا أكرمه بالمال والطعام حتى كبرت واصبح لي بيتي وبدأت أمارس ما تعلمته من جدي وسط سخرية الآخرين فتعلق جارتي: "ما دام العمل آخد أجره ليش تعملي له غداء وتحطي ضيافة؟".

 وبقيت على عادتي ولم أتغير ولكن الدنيا تغيرت حتى ايقنت فعلا أن جدي حين رحل قد رحل معه الزمن الجميل، فمنذ أيام استقدمت عاملين ليقوما بأعمال طلاء سريعة في بيتي الذي تساقط طلاء جدرانه بسبب الزمن والغارات الجوية وعلى مدار يومين كاملين اعتمدت أسلوب الكرم الحاتمي الذي كان يتبعه جدي، وقدمت لهم وجبتي الافطار والغداء اضافة للعصائر والشاي والقهوة والحلوى والفواكه، وفي كل مرة كانا يهللان فرحا ويستذكر أحدهما كيف قام بأعمال الدهان في فيلا شخصية شهيرة وظن أنه سينعم بكرمه لولا أن قام صاحب الفيلا باحكام اغلاق الباب الخارجي وتركه وزميله يعملان طول النهار دون طعام أو شراب حتى شارفا على الهلاك وحجته في ذلك أنه اتفق معهما على الأجرة فقط.

بعد انتهاء العمل ومغادرة العاملين حاملين "العدة" لاحظت أنهما قد حملا منها أكثر مما قدما به، وحين بدأت بترتيب البيت اكتشفت أنهما قد قاما بسرقة أدوات النجارة والأسلاك والمفكات والمسامير والبراغي وكل ما احتفظ به في صندوق خاص اضافة لحذاء ابني.

 ووجدت حذاء باليا في حوض الحمام، ساعتها ترحمت على جدي وزمنه، وحمدت تصرف صاحب الفيلا معهما وندمت أني لم أحبسهما مثله.