عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 11 آب 2015

​ذلك البيت الشامي النبيل

احمد دحبور

ذلك البيت الشامي النبيل.. فجأة، وعلى غير ترتيب مني، دهمتني ذكريات الشام النبيلة والوقت الذي كان من أسعد مراحل عمري، ففي ذلك الزمن الجميل، قدمني الشاعر - الشهيد فيما بعد - كمال ناصر الى السيدة كوليت الخوري، واصفا اياي بأنني بمثابة ابن له، ورحبت بي أديبة الشام الكبيرة حتى كدت أشعر بأني من أهل البيت، وكان هذا دأبها مع الوجوه الجديدة التي يقدمهم اليها أصدقاء موثوقون من وزن كمال ناصر، وحين ألفت ذلك المكان الطيب، عرفت بأنني سأصبح من رواده الدائمين، فالست كوليت لم تكن مجرد أديبة لامعة، بل انسانة على درجة عالية من الذوق والفهم في اطار مفتوح من النبل الانساني. كانت أول مفاجأة تنتظرني، هي ان الست كوليت اكثر بكثير من مجرد مضيفة لبقة، فهي انسانة تتفرد بحساسية ايجابية وقبول للآخر، حتى ليشعر الضيف الجديد بأن له مكانا عريقا هناك، والأهم من ذلك انه فضاء لا مكان فيه للنميمة والمكائد، فقد عملت أمّ نارة - وهذا لقب كوليت - كل ما في وسعها ليتحول بيتها الى ندوة ثقافية مفتوحة للجميع، قدامى وطارئين، وكنت ترى فيه المثقف الى جانب السياسي، الى جانب رجل الأعمال، الى كل من يخطر لك على بال - فقد سعدت هناك برؤية الشعراء أدونيس وممدوح عدوان ومحمد عمران وغيرهم من المثقفين اللامعين، ولم يكن من شرط على قاصدي ذلك البيت الا ان يكونوا من أهل الثقافة. في ذلك المكان العامر بالدفء الانساني، كان يستحيل ان تسمع نميمة او تعير بمكيدة، فذلك - حسب تعبير الست كوليت - بيت موروث من الزعيم فارس بك الخوري ويجب ان يليق باسمه الوطني الكبير .. وكانت نوارة ذلك البيت، ابنتها الجميلة نارة التي اختطفها الموت فجأة ومن غير مقدمات، وقد نجحت الست كوليت في ألا تموت حزنا إثر ذلك المصاب الأليم، بل انها ما كانت لتسمح لأحد بأن يواسيها، فنارة هي نارها الشخصية الحميمة، واذا كان عليها ان تواصل الحياة، فبمواصلة الكتابة والانفتاح على الآخرين .. وما زلت أحار حتى الآن في كيفية قبولها للحياة بعد ذلك وبقاء بيتها مفتوحا للأصدقاء جميعا .. ومواصلة قلمها في تقديم رسالته التي جعلت من كوليت اسما مرموقا في الرواية العربية المعاصرة .. كانت رواية كوليت الأولى، كما هو معروف ومؤرخ، هي «أيام معه» التي شاعت نميمة حولها انها قصة غرام كوليت مع شاعر مشهور، وكانت روايتاها اللاحقتان، هما «ليلة واحدة» و«أيام مع الأيام» ونلاحظ ان هذه العناوين كلها مرتبطة بالزمن، فالكاتبة الدمشقية المطبوعة، معنية باستقطار أيام حياتها أدبا وبوحا حميما حتى ليحق لقرائها ان يقولوا بحق انها عاشت زمانها باخلاص وحضور وجودي متميز .. أما اذا مددت نظرك الى مساحة أبعد، فستجد نفسك أمام سيدة شامية تقطر شاما من قمة رأسها حتى فضاء ظلالها .. وكانت حين تمدح امها، تشير الى انها تتميز بالخفر الشامي الأصيل .. على ان ذلك «الخفر الشامي الأصيل»، يتجاوز الحياء النسوي التقليدي الى عراقة هي سمة اصيلة في دمشق، ولعل اول من اطلق على هذه المدينة صفة قلب العروبة النابض، كان يعي معنى ان يكون الانسان دمشقيا، او انه ارتوى بماء الشام، او - على حد تعبير نزار قباني شاعر الشام الخالد- : كواهُ عشق الشام .. من المفارقة انني بدأت بكوليت فوجدتني في الشام، ومن يعرف كلا من المدينة العريقة والسيدة النبيلة الجميلة يدرك انه في حضرة الجمال الانساني ذاته، حيث تستقبلك الثقافة وتحدب عليك أناقة الحضارة .. ذات يوم اراد مسؤول كبير ان يستخف دمه، فتساءل متساذجا: ومن هي هذه الكوليت؟ ووصل الكلام الى أم نارة فلم ترفعه عن الأرض، بل واصلت مشروعها الروائي الذي بدأ برائعتها «أيام معه» واستمر في «ليلة واحدة» و«دعوة الى القنيطرة» و«أيام مع الأيام»، فضلا عن مجموعة شعرية لها كتبتها بالفرنسية، وقد سألتها ذات يوم: لماذا لم تتابعي ذلك الخط الشعري؟ فردت: كانت تلك نزوة ثقافية ولو قيض لها ان تستمر لكانت باللغة العربية .. اللغة العربية؟ هي مناسبة للاشارة الى حرص كوليت على جمال الخطاب العربي كما يتجسد ذلك في نطقها للحروف الحساسة كالثاء والذال والظاء، وابتعادها عن الركاكة واللحن، ولم يكن ذلك مقصورا على قشرة الألفاظ، بل كان من اللافت جدا ولعها بالخطاب العربي الجميل وأناقة الكلام الذي كان تعده نعمة الله على العرب.. أما ذلك المسؤول العاثر الذي أوحى بأنه تجاهل اسم كوليت الخوري، فقد سئلت لماذا لا ترد عليه، وابتسمت أم نارة متذكرة رثاء شاعر العرب الكبير بدوي الجبل لجدها فارس بك الخوري يوم قال فيه: والاصيل العتيق يأنف شوطا لم يصادق فيه أصيلا عتيقا وكان ذلك الجواب الصارم الذي اقتبسته من رثاء جدها، أبلغ من السجال الثقافي او السياسي، بل ان فيه اشارة الى اللحظة الحضارية المترفعة التي تنتمي اليها .. وكانت، والحق يقال، ترى في الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، أنموذجا للقائد النبيل الحكيم، مع انها لم تتملقه ولم تتقرب اليه، بل كانت تعلق على من ينتقد حماستها له بالقول: لقد حاذيت ظل الله، لا أمامه ولا خلفه .. وأبسط الواجب في مجال الأخلاق هو الاعتراف بالفضل لصاحب الفضل، ولعل هذا الانطباع لديها عائد الى جلسة لها مع الرئيس حين قصدته لتستفسر عن كادر فلسطيني كبير غاب عن الأنظار فجأة، فأكد لها الأسد ان أبواب سورية مفتوحة أمامها لتسأل عمن تريد بالوسيلة التي تشاء، ويومها تأكدت كوليت، مع الألم والأسى، ان ذلك الفلسطيني الغائب ليس موجودا في سورية!! هل يفهم أحد من هذه الحادثة انها كانت معنية بالسياسة؟ .. لا بالتأكيد الا في اطار المشاعر الوطنية الفطرية، وغني عن القول ان هذه السيدة كانت منحازة الى مدينتها الخالدة دمشق، من قمة رأسها حتى أخمص قدميها .. شكرا للحظة النبيلة التي أيقظت أم نارة في ذاكرتي، فهي من المعالم الخالدة التي اتيح لي الاقتراب منها والاعتراف بحسها الانساني العميق..