عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 06 حزيران 2017

"سيرةٌ لأبناء الوَردْ": الطبيعةُ بوصفِها قصيدةً

عماد الدين موسى

تدخل قصيدة الشاعر الفلسطيني عمر شبانة إلى الحيّز الحميم من الطبيعة، حيثُ البراءة والعفويّة على أشدّهما؛ الطبيعةُ لا بوحشتها ووحشيتها، بل ببساطة عوالمها وألفة كائناتها اللطيفة، الكائنات الخياليَّة التي تنمو داخل الشعور، لتغدو "الغابة" و"الريح" و"الغروب" و"زهور اللوز"- على سبيل المثال لا الحصر-؛ عناوين رئيسية لجلّ قصائده.

في مجموعته الشِعريّة الجديدة "سيرةٌ لأبناء الوَردْ"، الصادرة عن دار الأهليّة (عمّان- 2017)، ينهل الشاعر عمر شبانة من تلك اللغة الهادئة في تناوله لمشاهد من الحياة اليوميّة، تلك المشاهد التي تغدو عاديَّة حين النظر والقراءة المستعجلة لها، لكن ثمّة ما يمكن القول عن أنّها التقاطات شعريَّة مهمّة، سواء من حيث دفق الأحاسيس ورقّتها، أو من جهة الإلمام بباقي الأمور والتفاصيل العابرة. ومن ثمّ يضفي عليها شيئاً من الغنائيّة الخافتة، لغةً وإيقاعاً؛ "أمشي وراءَ اسمي،/ أعلّمُهُ الكتابةَ والغناءَ،/ وخلفهُ أمشي،/ يُعلّ مني الحياةْ". تذخر المجموعة وأجواؤها بمقاطع مثيلة تعطي البعد الشاسع للكتابة التفصيليَّة، تلك الكتابة التي تمنح الهدوء والسّكينة المتأتيَّة من نجاح المعجم المفرداتيّ المستخدَم في عمق النصوص، بالإضافة إلى الاتّكاء المستمرّ على الطبيعة داخل الجمل برمّتها في نصوص المجموعة.

الشِعر المقطعي

إلى جانب الغنائيّة؛ يبدو الجانب التأمّلي/الوصفي جليّاً لدى الشاعر شبانة، ذلك بالانتقال بالقصيدة من كونها "مدوّنة" إلى الصيغة "المشهديّة" أو ما يسمّى بـ"التشكيل البصريّ". وهو ما نجده في معظم قصائد هذه المجموعة، البصريَّةُ إناءً طافحاً باللحظات المخلَّدة كتابيَّاً؛ فنجد مشاهد الطبيعة الصامتة كصورٍ فوتوغرافيَّة متتالية تأتي وفق جوٍّ موحَّد، إلى جانب مشاهد تأمليّة أخرى؛ تعتمد جميعها تقنية السرد الدرامي وذلك بتتالي المقاطع (الاسكيتشات) ضمن القصيدة الواحدة، وهو ما اصطلح على تسميته "الشِعر المقطعي" (syllabic poetry) كما في قصيدة (اسمي الذي يليقُ بي)، وفيها يقول الشاعر: "على صَدري/ تنامُ الشّمسُ/ منذُ الفَجر/ تَزحَفُ كلُّ أشجاري/ وترقدُ في سرير القلبِ/ تدخلُ حوضَ أسراري/ أسمّيها المدى المفتوح للرُّؤيا/ تُسَمّيني سُيوفَ الضوءِ والنارِ". ما نجده في هذه القصيدة/المقطع من سلاسةٍ ومرونةٍ يكاد يكون صورة عن الجوِّ العام للقصائد، بالإضافة إلى تلك الدفقات الشعوريَّة الواضحة ضمن النصوص بأكملها، الدفقات التذكريَّة التي يعتمدها الشاعر كنوع من الاتّكاء الجمالي إن جاز التعبير، حيث الذكرياتُ تموج ولكن بأسلوبيَّةٍ لا يمكن العبث معها أو تأويلها بسهولة: "بَيتي أنا في ثَوبها/ خُذني إليهِ/ أشمُّ خابيَةً، هُنا/ وأبوسُ/ بئراً للمياه/ وأعبُطُ الأشجارَ والنَّوارَ/ والغنَماتِ/ والدُنيا...هناك".

تقنيّة العنونة

قليلة هي النصوص التي تعتمد العنوانَ قصيدةً بحدِّ ذاته، وديوان الشاعر شبانة هو من أحد تلك الدواوين القليلة، إذ نرى أنّ العنوان كبنيانٍ قائمٍ بذاته هو مدخلٌ لقراءة نصٍ غنيّ، فالعناوين مُختارة بعنايةِ ورقَّةِ شاعرٍ متمرِّس في الخبرات الشعوريَّة والتقاط ما يمكن أن نسمّيه: "عِرْقَ القصيدة"، الجذرُ مثبتاً في عمق الأرض ومرويَّاً على الدوام! "اسمي الذي يليقُ بي" و"نَهرُ الحياة" و"ولادات لقلب العاشق" والكثير غيرها فيها التكثيف الكفيل بمعاملة العنوان كمقطعٍ من نصٍّ مؤجل الكتابة! على الرغم من النجاح الباهر للقصيدة التي تلي العنوان، لكن ما يثِبُ إلى الشعور لدى القارئ هو أنّ قصيدةً أجمل ستأتي ولكن ليس الآن، ربمّا في زمنٍ آخر، زمن تصبح القصيدة فيها خبزَ الأرض وماءَ الشعور البشريّ.

تقنيَّة العنوان لدى شبانة تجنَح إلى استخدام مفردات مديدة الأثر، أو ربمّا لنقل إنّ تلك الحالة الشعوريَّة في العناوين تعطي البعد الأوسع لنظرية العَنوَنة في الشعر العربيّ، النظريةُ ممارسةً فعليَّة وخارجة عن طور التنظير، الفعل الحقيقي الذي يتجلَّى حقيقة ويبدو واضحاً جدَّاً، كلّ العناصر الجماليَّة في مفاجأة العنوان وأثره الفعليّ متوفّرة ضمن تلك العناوين.

أناشيد الفجر

مجموعة "سيرةٌ لأبناء الوَردْ"، والتي جاءت في 148 صفحة من القطع المتوسط، يمكننا أن ننعتها بمعجم الطبيعة والخوض في تفصيلة العنوان، لما فيها من أثرٍ جليّ لمفردات تخصّ الطبيعة وحدها. الشِعرُ هنا أشبه بأُنشودة طائرٍ عند الفجر، يمكن تسجيل تلك الأنشودة في الذاكرة واستحضارها في أيّ وقتٍ قادم؛ "ويكونُ وجهُكِ قِبلتي/ وعلامةً للفَجرِ/ تَفتحُ لي النهارَ/ على نهاياتِ الجنونِ/ فأقولُ يا أحلامُ كوني/ وأقولُ/ هذا الأُنسُ صوتُكِ/ حين يَفجَأني رنينُ غنائهِ فجراً،/ ويَحملُني على ألوانِه/ طيفاً يَطيرُ على جناحَيْ زهرةٍ".