عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 10 آب 2015

أنا أنتَ والأصدقاءُ المُشتَركون!

نص لـــ رحمة حجة

والمسافة بيننا 88 صديقًا/ة مشتركًا/ة في ملعب الفيسبوك. سيظهر البعض منهم ويغيب  آخر؛ وفقًا لتطبيقات الخصوصية لديه. قد تعرفهم جميعًا وقد أعرفهم مثلك، لكننا لا نعرف تمامًا قوة علاقتنا بهم في أرض الواقع.

أتخيّل لو صارت المسافة بيننا جسرًا يرسمه الــ 88 صديقًا/ة مشتركًا/ة، بوقوفهم صفًا متراصًّا، ماذا لو عبره كلانا؟ قد أمشي نحوكَ عَبرهم وتمشي نحوي من خلالهم، حينها سيكون الوقت اللازم لقطع المسافة خمس دقائق، كما يمكن أن نتورّط بينهم في سنوات عجاف من عُمرنا.

ولأن لهفتي إليك تستعرُ فجأة، وتذوي فجأة، سأستغل زمن الرغبة، وأمشي نحوك، ويسبق قلبي خَطوي، حتى أصلك منتصرةً على الوقت تمام الدقيقة الرابعة، وأحوز بعدها على ابتسامتك، وربما تكون مشغولًا، فلا تكترث.

وقد أمشي بتباطؤ حواء إليك، وتمشي إليّ بهَيبة آدم، ونلتقي في منتصف المسافة، تمام الدقيقتين ونصف الدقيقة، بابتسامة كاملة الملامح وبريق في العينين مكتمل النضوج، ثم ننضم إلى الأيدي المتشابكة فنكون جزءًا من المسافة بين عاشقين آخرين.

لكن ماذا لو ظللتُ واقفةً بانتظارك، وأخَرتكَ مشيتُكَ المتعالية عني دقيقتين، هل ستجدني؟ ماذا لو حصل العكس؟ هل سأجدك بانتظاري؟

طويلة هذه المسافة بيننا كصيف حار، وقصيرةٌ كعُمر. ربما ننشغل فيها بالآخرين. سيُصادفك صديق لم تره منذ مدة فتسلم عليه، وتطالعان معًا آخر أخباركما، وربما تصطدم ببعض الأشخاص، تتفرّس وجوههم، وتتساءل بينك ونفسك "من هؤلاء؟ كيف أصبحنا أصدقاء؟ منذ متى ونحن أصدقاء؟" سيبتسم بعضهم لك، ويسألك "كيف الحال؟" وتجيبه مُحرَجًا "الحمد لله بخير.. نلتقي لاحقًا"؛ لتكمل المسافة نحوي، لكن صديقة قديمة تبتسم لك، فتمد يدك مصافحًا، وتتبادلان أحاديث طويلة، توقظان فيها نوم الذكريات، ستضحك كثيرًا، أعرف أنك ستضحك كثيرًا.

وبعد ضحكات متتابعة مع صديق وصديقة، ستواصل المشي، ستحتاج لتبادل سجائر مع زملائك المشتركين بيننا، الذين سيناقشوك في أمور عدة تخصّ العمل، وقد يتشتتُ نقاشُكم فيمازحونك في حياتك الشخصية، ويغمزونك "ما سرّ أناقتك اليوم؟" أو يتجه النقاش فيغدو حادًا ومُتعِبًا، لتعتذر منهم، وتواصل الطريق.

ستلتقي بامرأة أحببَتها ذات مرحلةٍ في حياتك، لتغدو اليوم صديقة "فيسبوك"، لا تتبادل وإيّاها أكثر من "لايك" وتعقيبٍ على "منشور" معايدة، ستُذكرك عيناها بقلبك الغر، وقد ترتبك في قول الــ"مرحبا"، لكنك لن تتردد في سؤالها عن حالها، كنوع من المجاملة.

وتمُرّ بامرأة ثانية، كانت أمنية عشق غابرة لولا أن قطار الزواج سحبها منك سريعًا، حتى قبل أن تبوح بالسر الذي حفِل به قلبك فصولًا دراسية طويلة في الجامعة، هنا أتخيّل لمعة حزينة في عينيك السوداوين، مع ابتسامة رقيقة تُطلقها لها، وربما تحمل طفلتها الجميلة وتداعبها قليلًا، كعادتك حين تُشاهد الأطفال.

صديقتنا التي عرفها كلٌ منّا على حدة، ستكون بينهم طبعًا، ستتبادلان التحايا والأخبار، وستسألك عني، لأنها تحبني كثيرًا، ولا تستطيعُ محادثةَ أيّ من معارفنا المشتركين دون ذِكري، حينها، ستَفطَنُ أنك تأخرت كثيرًا، وتُطمئنها عنّي، وتمشي إليّ واثقًا بأن الموعد لم يَفُتك.

بعض المسؤولين الذين أصبحوا أصدقاءنا لظروف عملنا، ستلتقيهم أيضًا، ولن تستطيع التملّص من مصافحتهم ومحادثتهم، كي تحافظ على علاقتك بهم، لأن تضعضع العلاقة يعني فقر إنتاجك المستقبلي حين تحتاجهم.

أصدقاء جدد وقدامى.. معارف ومصالح.. ذاكرةٌ تنتعش وأخرى تنتفض.. يدٌ ترتعش وأخرى تشتعل في المصافحة.. حبٌ وضغينة.. خيباتٌ وتحوّلات.. وأكثر، هكذا هي المسافة بيننا، مراحلُ من الأصدقاء، ولكل صديق مرحلته، ولا يبقى سوى القليل حتى مرحلتنا الأخيرة.

هل فكرتَ يومًا بالصديق الذي شهدَ معك جميع المراحل والتحولات ولم يُغادرك لأن مرحلةً ما في حياته تطلّبت ذلك؟ أنا فكرتُ كثيرًا في الأمر، ووجدتُ عددهم أقل من أصابع اليد الواحدة، ولا أحزن.

تأخرتَ يا عزيزي، أنا الآن أبعدُ من خيالك. ما أطول الطريق إليك، وما أكثر مشتِتاتكَ فيها نحوي.. لكن، كيف سأعرفُ وتعرفُ أنكَ أو أني تأخرتَ/تُ ونحن لم نضبط البداية في ساعة التوقيت بيننا؟ هل نُضمرُ مؤشرًا داخليًا يدلّنا على البدايات ويترُكنا لاهثين خلف النهايات؟ أو ربما ستكون نهاية هذي المسافة بداية لقائنا.. ماذا سأقول لك؟ وما الذي ستقوله لي؟ ربما سأظنكَ جزءًا من المسافة فأكمل السير مبتعدةً إلى حيثُ البداية، وتَخالني جزءًا من المسافة فتصافحني بقلب صدئ وعينين نحاسيّتين، وتمشي بعيدًا، إلى قَدَرِك!