"الريحان" تعطش.. والسكان يصلّون الاستسقاء على "WhatsApp"
خالد سليم
يماحك المحاضر الأكاديمي فؤاد أبو حامد جيرانه في ضاحية الريحان شمال غرب مدينة رام الله، بأن يرسل لهم صورة وهو يسقي حديقة منزله في بلدة صورباهر بالقدس الشرقية المحتلة، فيتفوّر الجيران قهرًا ويفحصون عدادات المياه في ضاحيتهم، للمرة الرابعة خلال نصف ساعة.
بعض سكان الضاحية النموذجية الأولى في فلسطين أنشأوا مجموعة على تطبيق "WhatsApp"، سموها "أسود الريحان"، يتبادلون فيها صور سهراتهم الجماعية، وطاولات لعب الورق، وحفلات المشاوي، وبعض مناظر البحبوحة التي تقع عليها أعينهم في مساءات الضاحية اللطيفة، ليتشاركوا الفرح والسعادة التي ظللتهم حتى وصل المنخفض الجوي الهندي البائد.
في موجة الحر هذه، ضجت المجموعة برسائل متلاحقة من الجميع، لم تخل واحدة منها من كلمة "المياه"، التي تحولت إلى هاجس قض مضاجعهم الهانئة، بعد أن شهدوا أول انقطاع لها منذ سكنوا بيوتهم قبل قرابة ثلاثة أعوام.
مصلحة مياه محافظة القدس، التي تغذي ضاحية الريحان بالمياه، خصصت لها في جدولها يومي الأربعاء والخميس من كل أسبوع لتزويدها بالمياه، ونظّم السكان وقع حياتهم على خرير المياه في عداداتهم، فتحول هذان اليومان إلى يومي شطف وتنظيف وغسيل، لتظل البقية حصة الشرب والاستعمال اليومي، لعلها تكفي لبقية أيام الأسبوع.
في ظل اشتداد النقاش على المجموعة حول الخطوات الواجب اتخاذها، اقترح أبو حامد أن يقيم السكان صلاة الاستسقاء في ساحة مصلحة المياه.
أما الموظف في جريدة الحياة الجديدة إياد الحاج علي، فقد فكّر فقدر وقرر، وسعد بما قرر، إذ حلّ بأسرته ضيفًا على عائلته في إحدى قرى نابلس، ليمضي نهاية الأسبوع هناك، حيث الماء والخضراء و"الدُّش" الحسن. واقترح على جيرانه العودة إلى ما فعله الأجداد عند قضاء الحاجة، فالأرض الخلاء على مدّ البصر، وبيت الراحة هو حيث تجد الراحة، ولو كان في فيء زيتونة أو ظل شجرة لوز.
المحرر في وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" أحمد عزام، صوّر عداد مياهه "الميت" وأرسله للمجموعة، وكتب تحت الصورة: "في الروح غصة، وفي القلب وجع وحسرة. تحرك أيها المؤشر. خذ من أعمارنا وقودًا لتحيا". وقد اقترح أيضًا أن ينظّم الجيران أمعاءهم الغليظة لتعمل فقط في أماكن العمل.
في ضاحية الريحان مسجد فاخر افتتحه وزير الأوقاف يوسف ادعيس في رمضان المنصرم، مع وعد بتعيين إمام، لم ينفذ حتى الآن، فهو مغلق حتى إشعار آخر. اقترح أحد السكان أن تحمل النساء أوعية الطعام لتُجلى هناك، إلى أن "يعمل" المسجد، فيصلي الرجال صلاة الاستسقاء، لعل دعاءهم يستجاب.
"زهور الحارة ذبلانة.. وأشجار الحي/ و(الريحان) عطشانة.. بتستنى المي". هذه وصلة نظمها على حين قهر خالد إبراهيم، الذي بدأت حديقة عمارته، الأكثر أناقة في كل الضاحية، تصفرّ قليلاً لقلة المياه، وقد جلس لا يلوي على شيء وهو ينظر إلى خضراوات زرعها ولمّا تؤتي أكلها بعد، بانتظار "مطر" عدادات المياه.
بشار أبو سعادة جاء من الخارج وأسرته، ليمضي عطلة الصيف في شقته بالضاحية. أكثر الكوابيس سوءًا لم تكن ببشاعة انقطاع المياه هذه المدة، فدخل في المجموعة، يقرأ ويكتب ويتحسر، وينظر إلى الأجندة بانتظار موعد انتهاء إجازته، على جمر. وقد "احتال" قليلاً على الأمر، فذهب إلى مدينة الملاهي القريبة، فلعب الأولاد بالمياه، وتناول طعامه هناك، وعاد إلى بيته لينام بهدوء. إلا أن جيرانه على مجموعة "WhatsApp" كانوا له بالمرصاد، فتندروا على "حيلته"، ولهم أسبابهم، وهذه حكاية أخرى.
على مقربة من "الريحان"، في منطقة تتوسط الضاحية، ومباني الدراسات العليا في الجامعة العربية الأميركية، والمدرسة الأميركية النموذجية، وضاحية ريف للفلل السكنية، ومقابل الحي الدبلوماسي الفاخر؛ في هذه البقعة تحديدًا، أقيمت مدينة ملاهٍ ضخمة وفاخرة، سلبت هؤلاء هدوءًا نعِموا به سنوات، وزودتهم بإزعاج دائم وتلوث صوتي وسلوكي كانوا في غنىً عنه، والأهم، في هذا السياق، أنهم يرون أن حصة الضاحية من المياه المتواضعة أصلاً، باتت مدينة الملاهي شريكة فيها، في غياب ندرة مصادر المياه، وأثر ذلك على الحصة الممنوحة لكل منطقة، مع إقرار بتحميل الاحتلال المسؤولية عن شح المياه، إذ يسرق منابعنا وخزاناتنا الجوفية، ويبيعنا، بعد لأْي، قطرات لا تروي من عطش ولا تغسل من عرق أو وذح.
لا يلوم سكان الضاحية أصحاب مدينة الملاهي، فهي مشروع استثماري، الأصل أنه يزود خزينة الدولة بضرائب تحتاجها، ويزود الوطن بابتسامات أطفال يحتاجون إلى الفرح والسعادة وسط الكمّ الهائل من الضنك والقبح والسوء الذي يسببه وجود الاحتلال.
لكن عقبة الأحمد أحد سكان الضاحية، والفاعلين على المجموعة، يرى أن التناقض الأساسي هو مع "النظام" الذي منح لمدينة ملاهٍ ترخيصًا وسط أحياء سكنية، فهذا حوّل المنطقة إلى بيئة طاردة لأي استثمار عقاري مستقبلي، بعد أن كانت الامتداد الطبيعي والوحيد لمشروع "رام الله الكبرى". ولعل هذا ملف يحتاج إلى تحقيق متأنٍّ.
تحول هاتف مصلحة المياه إلى رقم يحفظه الجميع، ويتصلون عليه كل حين، للسؤال عن موعد "سقايتنا". والمصلحة، بما أوتيت من مصادر وكميات، تعِد وتحاول أن تنفذ، فتنجح حينًا، وتفشل أحيانًا، ولسان حال السكان الجمعي: نرجوكم، نريد الماء، فلسنا "كمونًا" كي نعيش على الوعود.
أحد "أسود الريحان"، اقترح أن يغيروا اسم المجموعة، ببيت شعر مكسور، حالَ نفوسهم المكسورة، عارض فيه بيت الإمام الشافعي الشهير، يقول فيه:
تموت الأُسد في "الريحان" عطشًا.. وماء الشرب رهنٌ بالسحابِ.
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!