عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 آب 2015

​في دنيا الرواية

عدلي صادق

من بين أفضل عشر روايات في تاريخ الأدب العالمي، هناك نحو ثلاثة، لمؤلفين لم يكتب واحدهم سوى تلك التي عُدت من الأفضل في تاريخ الأدب، وخلدت اسم من كتبها. إحدى هذه الروايات هي "ذهب مع الريح" لمارغريت ميتشيل.

بطلة القصة، هي سكارليت أوهارا، من الجنوب الأميركي، المرحة اللعوب الفظة، بمدى يلامس الجنون، المتمردة على تقاليد مجتمعها ولزوم الانضباط لبعض العادات الاجتماعية. ينقلب استهتارها عليها وبالاً. فعندما تزوج آشلي الذي أحبته، فتاة غيرها، بتدبير من عائلته التي لم ترق لها سكارليت أوهارا، صُدمت هي وتزوجت من شخص لا تحبه، سرعان ما يموت، لتترمل وتندفع الى حياة مضطربة، في خضم الحرب الأهلية الأميركية. وفي دنيا الرواية؛ هناك مثل سكارليت الأنثى، أوسكار الذَكر، المفعم غروراً بنفسه ويتهدد الآخرين بقوى طاغية أو بمنظومات قهرية، ويفتش عن مثيلته الأنثى تلو الأخرى، وإن لم يجدها يصنعها الواحدة تلو الأخرى.

كانت الفتاة حسنة الخلقة غليظة الخُلق، تداري اضطرابها الداخلي بمزيد من التأنق في هندامها، على النحو الذي يميزها في محيطها الاجتماعي. أوصلتها الدروب الى زواج ثانٍ، لا بد منه، من رجل لعوب مثلها، فتمضي الحياة بلا استقرار، ويضيع عمر المليحة بين عادية ومعدوٍ عليها.

عندما يصبح التشاطر واستهبال الآخرين، سلوكاً؛ ينقلب السحر على الساحر.

في رواية اخرى من الأعمال الخالدة، أو من العشرة الأوائل في تاريخ الأدب، وهي "مرتفعات ويذرينغ" التي تُعد أيضاً من العشرة ولم تكتب مؤلفتها إيميلي برونتي سواها؛ تدور الأحداث في الريف الإنجليزي. يسافر إيرشو الى ليفربول بعد أن يوصيه ابنه الفتى هندلي وشقيقته الصغيرة كاترين أن يجلب لهما هديتين: آلة كمان للأول، لكي تعم الموسيقا، وسوط للثانية التي تعلمت ركوب الخيل. يعود الأب بالهديتين، ومعه فتى لقيط. كان الرجل في الطريق يدس في معطفه رأس الفتى البائس "هثكليف"، ليحميه من البرد ويحنو عليه. سرعان ما ظهرت على الفتى الوافد، علامات اللا مبالاة بالإحسان، وشراسة مدفوعة باعتقاده أنه من نسل الشيطان. هو الذي كسر آلة الكمان وأضاع سوط الخيل، ثم بدأ في زرع الشقاق بين أفراد الأسرة. انزوى في الإسطبل يرعى الدواب ويعلفها، لأنه لم يتكيف مع جو الأسرة. عامله الفتى هندلي بقسوة. أما كاترين، بعد أن شبت عن الطوق، فقد حاولت تحسين مسلكه وتلطيف مظهره كي لا يظل كالكلب يتلقى الضربات مدركاً إنه يستحقها. لكنه غضب من تلطفها وقال لها بنبرة حادة: سأحافظ على وساختي لأنها تروقني، فأنا أحب القذارة وسأبقى فيها!

غير أن ما لم تتنبه له كاترين، هو كون هذا القبيح يُضمر موالاً، ويتطلع للاستحواذ على أملاك الأسرة بعد موت الأب ايرشو، والزواج من كاترين نفسها. لكن الأخيرة تزوجت من ابن عائلة لينتون. فبدأ "هثكليف" بغواية شقيقة العريس للهرب معه، انتقاماً وتوطئة للتوغل في الأسرة الثانية. ولما ندمت كاترين على الزواج من رجل اكتشفت أنه لا يناسبها، وباع أخوها أملاكه لـلّقيط الذي يلاعبه القمار؛ لم تجد أمامها سوى ذلك المسموم الحاقد على الآخرين، فدخلت معه في غرام الأمر الواقع. لكن الأقدار تلعب لعبتها فيموت "هثكليف" وتعود الأملاك لحفيدي الأسرتين كاترين الثانية وهيرتون ايرشو اللذين تزوجا.

لم يصنع السياق الدرامي للرواية الأولى، نهاية سعيدة للفتاة المغرورة، ولا صنعت الثانية للوغد ناكر الجميل، فلاحاً، ولا انفتاحاً لذريته على آفاق رحبة.