الانزياح والمخالفة في اعمال الفنان هاني زعرب.. مقاربة اسلوبية
د. نصر جوابرة *

ان فكرة قراءة المنجز الفني في بيئته المكانية والزمانية المحددة ,هي من اكثر الافكار اهمية في الدراسات التحليلية والتاريحية والنقدية في حقول لابداع , وتشتغل هذه الرؤية التحليلية كأساس وبفاعلية في تناول تجارب ابداعية كان البحث والتجريب في أبنية الشكل وتمظهرات الصورة المتخيلة في علاقتها النسيجية بالمحتوي هاجسا ملحا لايصال المعني, وكنتيجة طبيعيه لانتقالات الفنان وانفتاحه علي تجارب عالمية مغايرة, اضافة الي تزامن التجربة الفنية لمتحولات متتابعة في بنية اللوحة ,اذ تحدث الانقلابات والانزياحات والانحرافات الشكلية التي تقوض الاركان العامة للمحتوي البصري او ما يوصف بالمعيارية في الدرس الاسلوبي .تأسيسا على ان الانحراف والانزياح هو فعل ابداعي تكشفه الدراسه النسقية للنص لا الحفر في المعني والدلاله,وكمقاربة للتشكيل بوصفه حقل من حقول الابداع يتمظهر هذا الفعل في شكلانية النص البصري كذلك في علائقية المفردة ووظيفتها واشتغالها دلاليا في بنية النص وما يتمخض عن ذلك من أنظمة تعبيربصرية تنشد المعاصره وتولد تجارب جديدة ومغايرة ومفاجئة في لغة الشكل .
يدفعني مراقبتي واهتمامي بتجربة الفنان الفلسطيني هاني زعرب بكل ما تضمنته من متحولات نصية هامة الي محاولة اسقاط لبعض الجوانب والمرتكزات المفاهيمية العامة لهذا المنهج النقدي ,رغم اختلاف وتباين الادوات ما بين الحقلين اللغوي-اللساني والبصري ,الا اني اري انعكاسا لتلك المفاهيم في محاور ومعطيات بصرية تضمتنها تحربة زعرب الثرية فنيا وهو مايزال في منتصف مشواره الفني , اذ خضعت ارهاصات الفنان زعرب في بداية مشواره الابداعي الي المعيارية السائدة سواءا في سياق تاثره بالمفاهيم الاكاديمية اثناء دراسته الجامعية في وطنه فلسطين او من خلال ما وفرته المصادر العلمية المحدودة من مفاهيم مدرسية حديثة او نتيجة الي اضطلاعاته المحدوده بفعل العزلة التي يفرضها الاحتلال على مشهدية الانتاج الفني,فجاءت اعماله الاولي ضمن التجارب البصرية بمعياريتها السائدة وهنا اقصد ما تروض عليه الذوق ,فقد تبني الفنان القالب التعبيري في فن الرسم في سياق خصائصه البصرية العامة , باحثا فيه عن فراده وخصوصية ,ولمطواعية هذا النمط من التعبيرالبصري في حقل التشكيل والابداع عموما , نظرا لارتباطه بوعي الفنان وعالمه الشخصي وخضوعه لمستويات الانفعال الذاتي اضافه الي خصوصيه الاسلوب (بمعني الرؤية ) في التعامل مع المكون البصري للعمل فضلا عن طبيعة المحتوي والرسالة,كل ذلك ساعد في نجاح الفنان نسبيا في انتاج لوحة تعبيرية عكست خطابه الفني ورسالته التي اراد.
الي حين انتقاله الي فرنسا في العام 2006,كان ذلك انتصارا على العزلة بقدر ماهو رهان اشترطه الواقع الجديد بكل ما يحمله من متغيرات لفنان جاد ومؤمن وواثق بارادته وقدرته على التجديد ,فبدأ الانزياح الاسلوبي في تجربته منذ العام 2009 عبر مشروعه "درس في الطيران و انتظار "مغادرا نصوصه التعبيرية العاصفة بما تحمل من انفعالية وعفوية وانغلاق نحو الداخل عبر تهشيم البني السطحية والعلاقات المادية وتقويض لزمكانية اللوحه, ليخطو نحو نصوص بصرية تضمنت متحولات مناخية هامة وجادة في بنية العمل الفني اتسمت اكثر بالقصدية والدراسة الدقيقة والمحسوبة بل والمحوسبه للشكل ,وقد توجت الانحرافية التي تجذرت في عمله "ارث"الذي شكل اتصالا بصريا وبنيويا مع مشروعه السابق ذكره "درس في الطيران –انتظار"في نفس العام "2009" اذ حمل هذا المشروع ملامح التحول البنيوي على صعيد الصورة-التشكيلية التي اخذت تقترب من الخصائص البصرية للصورة الافتراضية المنتجة وبكثافة في عصرنا عبر وسائل الاعلام والاتصال الجماهيري , فعكست نصوصه الجديدة نوع من التشاكل البصري ما بين "الميديا" والفن التشكيلي الامر الذي منحها هوية عصرية اكثر اقترابا من وعي المتلقي المتدرب علي تلك الصوره التي بدأت تشكل وبقوة وعيه البديل للواقع وفقا لتعبير الفيلسوف الفرنسي "جان بورديارد",الامر الذي قرب تجربة زعرب من التجربة الغربية والعالمية على صعيد الشكل الجديد للوحة والمعالجة اللونية والشكلية للمفردات حيث اخذت الطاقة السحرية للصوره الافتراضية ووفرتها في عصرنا , العصرالذي اطلق عليه " ريجيس دوبري " في كتابه "حياة الصورة وموتها" "الفيديو سفير". Videosphereاحذت تساهم باعادة تشكيل مفاهيمنا البصرية وبالتالي في اعادة تكوين فهمنا للرسم ,وهذا ما انعكس بملامح شتي في الكثير من التجارب الغربية منذ تسعينيات القرن المنصرم (تجارب ما بعد التعبيرية الجديدة (Neo-Expressionismn كاعمال
Mario Rossi, Lydia Dona, Denise Green, David Salle, Jeremy Sharma, Matt Saunders, Dan Hays, Olivier Gourvil Kaye وغيرهم Donachieوغيرهم
وكأن الرسم اليوم قد اخذ يطمح لان يكون حالة من الصورة التي تفرضها لغة الاتصال الحديثة الامر الذي اطلق علي احدي مظاهره وتمثلاته الشاعر والرسام Henri Michaux , "بالرسم السينمائي",ولعلنا نلمس تعالقات واضحة ما بين الصورة في لغة الميديا وما بين اعمال زعرب في تلك المرحلة من اوجه متعددة ,فالمعالجة الشكلية واللونية للمفردة الواقعية للطفل (قدسي ابن الفنان)وزوايا الرؤية المنتقاة والتعبير عن الحركة وكذلك المبالغة بالعلاقات المكانية والاحجام (كحجم الرصاصة والتعبيرعن حركتها في احدي اعماله )هي تناص شكلاني مابين الرسم كنظام تعبير ومابين الصورة المنتجة كنظام تعبير رقمي, وعلي الرغم من الدهشة والمفاجأة والغرابة واللامتوقع التي حوتها تلك الاعمال من حيث البناء المشهدي المخالف لفهمنا للرسم الا اننا نلمس بتلك المعالجة العصرية قدرا من الشاعرية في اعمال زعرب تلك الشاعرية والعاطفه التي تفرضها علينا الصورة في وسائل الاتصال الحديثة و مألوفيتها في نظام التلقي والاستقبال البصري .
في معرضه الاخير"حب بدرجة منخفضة " والذي افتتح في غاليري برلوني –لندن , شكل في بنيويته انزياحات جديده نحو الخارج ,تاسست علي تشاكلات وتضايفات وانظمه استعارة وخلق مجازات بصرية ومعارضات ادبية pastiche مستحدثة شرعتها فلسفة اللوحة الما بعد حداثية في اطار تفكيكها لثنائيه الاصلي والمستنسخ,.فجسد المسيح الميت في القبر" للفنان الالماني Hans Holbein the Younger من القرن السادس عشر , وقارب الفنان الاسكتلندي المعاصر" Peter Doig من مشاهده الرومانسية للطبيعة ,- وهما امتدادا فكريا لعمله السابق "عذرا لوسيان فرويد في العام 2013"- جميعها استدعاءت ومعارضات ادبية pastiche ذكيه وساخرة اشرت فهم الفنان للفن كبنية تاريخية لا تسير بحطوط مستقيمة بل هو بناء دائري يتاسس على التعددية والتثاقف وهدم النصوص لولادة نصوص جديدة تخدم المعني وتفعل طاقة التلقي لدي المشاهد وتحوله من متلقي سلبي الي مشاهد ايجابي ونشط يساهم في بناء وانتاج المعني ,اضافة الي توظيفه لاشارات بصرية انتجتها الثورة الرقمية ووسائل الاتصال الجماهيري , كذلك القلب البشري ببنيته التشريحية ...وهي توليفات وتشفيرات بصرية حملت شيئا من الغرابة والدهشة والمفاجأة واللامتوقع في نظام الرسم او الصورة التشكيلية ,الا ان هذه الانحرافات ايضا في فعل الرسم كممارسة تفرض علينا تأثيرا يساهم في ترسيخ الروح الشعرية للنص البصري ,كما يثير حضورها وتضايفها مع علامات استدعاها الفنان من اعمال عالمية سابقة أبعاداً دلالية وإيحائية جديدة ,تؤسس لثنائيات بصيغ بصرية غير مستهلكة القراءة , الحياة مع الموت –الوطن والهجرة والحقيقة في مواجهة الزيف وغيرها.
جسد زعرب عبر تجربته قدرة الفنان المبدع على استخدام اللغة التشكيلية - البصرية وتفجير طاقاتها ، و بناء وتوليد أساليب وتراكيب مشهدية وبصرية جديدة حملت انحرافات عن اللغة التشكيلية السائدة عربيا وفلسطينيا ,ونجح في تقديم حلول تشكيلية معاصرة اكثر بحثا وانتماءا للسياق الغربي وطرق التقكير باللوحة اليوم , الامر الذي يجعل تجربته من التجارب الهامة في المشهد التشكيلي العربي عموما .
* فنان وناقد من فلسطين
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين