عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 20 كانون الأول 2016

سيرة: التفلتُ محاولةٌ انعتاقٍ تؤسس لمشروع الحريات: رف الكتب الممنوع

يونس عطاري

بعد زيارتي الثانية لدمشق عام 1978 اقتربت رويدا رويدا من الكتب و لوحات جميلة للتشكيلين الفلسطينين و كانت مكتبة شقيقي الذي اتخذ من دمشق و سوريا مقرا و مستقرا بعد خروجه من الاردن كباقي ثوار فلسطين كانت تلك المكتبة تعج بكتب الادب الروسي و منشورات دار مير الروسية بالوانها المعروف مما لفت انتباهي فقدم لي رواية الام مكسيم غوركي التي كانت اول رواية عرفتها و هكذا عرفت طعم اول للحرية الضائعة

الذي لفت انتباه والدتي امران الاول رزنامة معلقة كانت عبارة عن لوحات لفنانين فلسطينين تحكي قصة التغريبة الفلسطينية و فيها لوحة لسيدة تلبس الثوب الفلسطيني و تحمل سلة فيها اعتقد تفاح فسارعت الى تقليب الاشهر و احببت تلك الرزناما الفتحاوية التي كانت تصدرها فتح بمناسبة ذكرى انطلاقتها فطلبت نسختة لي فقال شقيقي كيف ستدخل هكذا رزناما عليها شعار العاصفة قلت له اقص اللوحات و ينتهي الامر.

الامر الثاني الذي افرح والدتي و هزها طربا هو رشاش الكلاشنكوف في سيارة شقيقي الرنج روفر الذي ذكرها بايام الاردن و قالت ايام العز ايام كنا فيها نغرد و نقدم صدر كنافة يتلوه اخر نحملها على رؤوسنا كلما استشهد لنا مقاتل.

عدت للزرقاء و في داخلي قرار مغادرة الاردن و العيش في دمشق لكنني انزلقت في واد الشعر في عمر مبكرة و كتبت مقلدا بدر شاكر السياب اول قصيدة مطلعها: انا و حبيبي الصغير قرب النهر نسير, مرت ايامي في الفسح اليومية في مدرسة المغيرة بن شعبة اقرأ الشعر و كان هناك رفا مكتوب عليه عبارة: ممنوع الاستعارة, فراق لي الرف كله و كنت استعير المسموع و اقرأ الممنوع في مكتبة المدرسة التي كان امينها العام شركسيا و اعتقد انه كان ماركسيا و هذا الاعتقاد جاء بعد اقامة في دمشق متأخرا سنوات

الرف الممنوع, فيه اول كتب قرأتها و هي كتب نزار قباني و سميح القاسم و محمود درويش و فدوى طوقان و غادة السمان و غسان كنفاني و أخرين, الملفت انه مسموح ان يقرأ الطالب داخل المكتبة و ممنوع ان يستعيرها, الان احاول تفسير مثلا لماذا كتب  نزار و غادة فهما يكتبان عن الحب و يبدو ان هكذا حب غير مسموح به اجتماعيا و هو فعلا كان كذلك في تلك الفترة و اعتقد حتى هذه اللحظة فقد كان و ما يزال المجتمع العربي محافظا متزمتا و يبدو مدير المكتبة و بتوصيات من وزارة التربية و التعليم الاردنية كوزارة كانت مفتحة على الطالب لكنها كانت تخشى " الفضيحة" الاخلاقية في حال استعار طالب ذكر تلك الكتب و اخذها للبيت العربي المحافظ الذي اصلا بعد كل البعد عن اهمية الكتاب و الذي لا يسمح بكتب " دعارة" من وجهة نظره و لا يسمح للادب الجاهل ان يدخل بيته الذي فيه بنات و اناث و امهات محرم عليهن اولا الحب و ثانيا القرأة و ثالثا كتب نزار رغم معظم الاباء الذكور و الاناث لا علاقة لهم بالادب و اهمته اوالكتاب من اخارج المقرر الدراسي فهو مضيعة للوقت و " همالة" بالتالي الوزارة ممكن تتعرض لهجوم مرير كما تفعل "داعش و طابان الان" بسب كتاب لنزار عنوانه مثلا" اشهد ان لا امرأة الا انت " فهذا اولا كفر و ثانيا الرجل لا يعبد امرأة او بنت, فكان لابد من حصر الكتب " الاباحية" في صالة مغلقة تغرق في عالم منعزل و بيعد و هذا العالم لا يقترب منه الا النذر القليل من البشر مما لا يؤثر او يحدث ضررا مجتمعيا و هكذا كان التواطؤ بين مكتبة المدرسة التي تمثل وزارة التربية و بين اي طالبة سقطت قدمه ها في عالم موحل " بيخرب البيت " اسمه الادب و يكنى بالشعر.

اعتقد و لست جازما ان عنواوين كتب مثل " اعلنت عليك الحب" عنوان بلسان امرأة غادة السمان " قصائد متوحشة" عنوان غير عادي بلسان رجل شرقي نزار او غيرهما كانت صادمة مريعة مدهشة و مخيفة في عالمي و بستاني الذي لم يزهر بعد عالمي و عزلتي حيث كنا نسكن خارج الزقاء المدينة و لا اولاد من جيلي فكنت وحيدا كما الان لا اصدقاء عندي " بشكل فيزيائي " فاصدقائي المقربين الان منهم عشنا معا في دمشق و هم كثر او في جدة و الرياض لكن جل الاصدقاء الجدد لم اره بعد كلحم و دم و صوت.

ولد مثلي ينتظر كل ليل ليسمع بعد منتصف الليل برنامج في الاذاعة الاردنية تقدم سيد بصوت ملهم آخاذ تقرأ عليه بابهة و عمق و حنان شعرا لا تقول من صاحبه ته و يليه اغنية لفيروز تجعل القلب و القمر ينفطران فانا سمعت اول مرة اغنية فيروز" امس انتهينا" في ليلة ودعت فيها الزقاء للابد :

أمس انتهينا فلا كنا ولا كان
ياصاحب الوعد خلى الوعد نسيانا

طاف النعاس على ماضيك وارتحلا
حدائق العمر بكيا فاهدأ الآن

كان الوداع ابتسامات مبللة بالدمع حينا
وبالتذكار أحيانا

حتى الهدايا وكانت كل ثروتنا
ليل الوداع نسيناها هدايانا

شريط شعر
عبيق الضوع
محرمة
ونجمة سقطت من غصن لقيانا
أسلمتها لرياح الأرض تحملها
حين الهبوب فلا أدركت شطئانا

يا رحلة فى مدى النسيان موجعة
يا رحلة فى مدى النسيان موجعة
ماكان أغنى الهوى عنها وأغنانا
ماكان أغنى الهوى عنها وأغنانا
أمس انتهينا

أمس انتهينا

و عرفت غادة السمان و نزار قباني و مفردات جديدة طازجة لا انساها لسميح القاسم و كانت عنوان لكتابه" طلب انتساب للحزب" المفرد الشجاعة كانت " حزب" و طلب انتساب كانت جملة مثل من يقدح حجرا ليشعل سييجارته فرحت لامين المكتبة و قلت له يعني " حزب" 

اما الولد الذي كنه و قبل نشر غادة السمان لرسائل غسان كنفاني بعقود عندما كنت اقلد السياب و بكل راحة و ضمير غافي اعتقد ان نزار و غادة على علاقة حب علنية و انهما عاشقان سوريان دمشقيان يعلنان عشقهما و عقوقهما للوالدين و لا يعفران سوى العشق الحرام و المنبوذ كما هو حال المهاجر النبي جبران خليل جبران و مي زيادة صاحبة الصالون الادبي في القاهرة و عندما قرأت شعر الحب العذري الشهير و قبل ان اقرأ لجلال صادق العظم في دمشق نقده للشعر و الحب العذري في كتابه " في الحب و الحب العذري"  كنت اعتبر جبران و مي مثل كثير عزة

وداعا يا صديق صادق جلال العظم