عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 21 تشرين الثاني 2016

التجربة الشعرية للشاعر الفلسطيني الراحل نزيه خير

محمد علوش *

لقد انتصر للشعر وتسلح بالقصيدة في مواجهة القبح والظلام

نزيه خير ، من الشعراء الفلسطينيين الذين تميزوا بحضورهم اللافت في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي ، وكان من أبرز الشعراء العرب الفلسطينيين داخل أراضي 48 ، ظل مسكوناً بالهم الوطني والقومي ، بالشعر والثقافة حتى رحيله ، وقد عمل جاهدا طيلة مسيرته الابداعية والشعرية على تطوير نصه الشعري والتوظيف الدلالي للموروث الفكري والتاريخي والحضاري العربي في نصوصه الشعرية التي ميزته على الدوام بالنضج والعمق والاختلاف .

نزيه خير ، أبدع في صياغة النص الشعري ، وقدم عدة مجموعات شعرية ، وتكاد مجموعته " ورثت عنك مقام النهوند " تكون ابرزها وأهمها ، حيث تجلى فيها الصوت الشعري كصوت عربي قومي يمثل قدرة الثقافة العربية والفلسطينية على مواجهة الآخر / النقيض في ظل هذه الظروف الصعبة والاستثنائية التي يحياها فلسطينيو 48 وفي القلب منهم الشعراء والأدباء الوطنيون وفي مقدمتهم الشاعر الراحل نزيه خير .

استطاع أن يشق له درباً  خاصاً ومنفردا وحقق لنفسه صوته الخاص البعيد عن التقليد والوقوع أسيراً لتجارب الآخرين ، وفرض وجوده وحضوره واحترامه على الساحة الأدبية وتجاوز الحدود ، نجد مسحة الحزن في معظم كتاباته الشعرية وقد اعترف الشاعر في احدى مقابلاته ذات يوم بأن الحزن مفردة رئيسية في حياته بسبب ضياع الارض وتشتت الاهل وتشظي الهوية ، إلا انه ورغم كل النكبات والأوجاع كان يحرص على التفاؤل واثقا من حتمية الخلاص والوصول حتى وان سكن الحزن قلبه ، ففي قصيدة ( توشيحة عراقيَّة من ألف ليلة وليلة(  يتحدَّثُ فيها عن هموم  الإنسان العربي والوضع الرديء والمُزري الذي وصلت إليه الأمَّة العربيَّة من ناحية الذلِّ والخنوع وربط مصيرها بالأجانب والغرباء وفقدانها كرامتها ودورها القيادي والتاريخي الهام عالميًّا ، ويتطرَّق ُ إلى مأساةِ الشَّعب العراقي ، موظفاً بعض الرموز والإيحاءات التاريخيَّة ، ولكنه في توظيفه هذا تبقى معانيه واضحة ً جدًّا ومفهومة ، مفادُها للهدف والموضوع والفكرة  التي يُريدُها ، فهو يستعمل السهل المُمتنع بالمعنى الدَّقيق ،

ويكشف الخطاب الشعري لنزيه خير عن صوت شعري متفرد ، شديد الالتحام بتجربته الحياتية المعيشة ، منها ينتقي مفردات ولقطات عالمه الشعري ، ويؤسس نسيج خطابه الشعري الخاص ، وتحضر سرديات الحياة المعيشة ، بمشاهدها الحقيقية النابضة وتفاصيلها الخاصة ، كما في قصيدة ( من رسالة ابن رشيق لمثقف عربي )  :

" من أين تبلغك الفصاحة ، كيف يدهشك الكلام

يا أيها الموعود في عرش الأمامة والإمام

أرأيت عبلة وهي تخطر في حوانيت الحلى

ورأيت كيف أعار عنترة اللجام ؟!

ما غادر الشعراء من طللٍ

ما رفعت أمية عن محاسنها اللثام

من قال انك ما ادعى وردٌ

وانك عائدٌ من ليل شام " ( ص 40 )

 وتحضر الذات الإنسانية بينها ، ذات بسيطة كادحة موحشة في جحيم المدينة ، ذات تتمسك بوضعها الهامشي ، جانحة إلى التمرد وإعلان الرفض ، وثمة نزوع واضح إلى سرديات حياة البسطاء ، وثمة تواشج عميق بين المعيشي والشخصاني ، في الخطاب ، واحتفاء بجماليات الوضوح وشعرية التقرير، وجسارة على فخاخ المباشرة ، ويتبدى الخطاب الشعري عاريا من الزخارف المحددة ، ملتحما بحركة التجربة المعيشة ، وفي نصوص الشاعر ما يشدد على انتمائه الإنساني والجمالي .

في مطالعتنا لنصوص هذه المجموعة ( ورثت عنك مقام النهوند ) نجد الشاعر وقد انتصر للشعر وتسلح بالقصيدة في مواجهة القبح والظلام وفي ابراز الوجه الحضاري والمنير لشعبنا الفلسطيني وامتنا العربية في اطار شعرية رانخة بتفاصيل البلاد وبخارطة الحلم ومنازلة اليأس والجروح النازفة ، يقدّ الكلام من ايقاعات مفعمة بالحياة والأمل ، جاعلاً من جملته الشعرية ضوءاً وهاجاً لسياق شعري متصل ينزف بالحّب والثبات " صادقاً كدموع الفقراء الذين انحاز لهم وغنّى لخطوهم العالي " ، وما أجمل هذه الخطوات التي يخطوها في قصيدة ( موجةٌ هي البحر ) :

" وحملنا ما يكفي من درب الجلجلة هموماً

وحملنا مفتاح الصبر الى بوابة عاشوراء

وجعلنا من غضب الذات على أنفسنا / ما يغسل كل خطايانا

ويردّ لنا طهراً نبوياً / ويرد لنا مجداً ولقاء ...

انتفضوا يا كلّ شعوب البحر

ويا كلّ شعوب الصحراء

أسقطنا من زمنٍ أدوات النهي وآثرنا أفعال الأمر .. " ( ص 38 -39 )

تأخذ علاقة الشاعر بالمكان في هذه المجموعة بعداً وجوديا ، حيث يضع الذات في ذروة المتخيل الغني والمتعدد الأبعاد والمفتوح على آفاق غير محدودة ، يصبح فيها الإحساس بفداحة الغياب علامة على هذه الكارثة التي تسمى الوجود ، فالأرض وذاكرة وجغرافية المكان في هذه الصورة ، تتحول من رمز للحضور المادي والمحسوس ، إلى رمز يحيل على حالة غياب شامل وآسر تطال كل شيء.

في المجموعة والتي احتوت على 31 نصا ضمتها 131 صفحة من الحجم المتوسط والتي أصدرتها " الهيئة المصرية العامة للكتاب " حوارات متعددة مع المكان والألم الانساني والعربي والفلسطيني  والتاريخ والذاكرة ، صاغها الشاعر من مفردات القلق والأمل والحياة والموت والصمت والصراخ ، حيث استطاع نزيه خير بأن يأخذنا إلى منطقة أخرى ، وجاب بنا شوارع فلسطين وأزقتها ، ونثر أريج الأرض المعجونة بطهر الشهداء ، وأضاف حنظلة  الواقف كالصخرة على أبواب القدس وشرفات منازلها ، غنى للبحر العائد ، لعكا والقدس وحيفا ، ولبيروت وبغداد والشام ، للجليل الأشم ،  كأنه غنّى للحب وللغربة وللوطن وللأشياء التي حضرت مثل حجارة تلك الأرض ، وحكت عن الأطفال الذين سينتصرون على الجلاد.

نزيه خير شاعر مبدع ، قدم الكثير للحركة الشعرية الفلسطينية وللمنجز الشعري الغني بتراثه وحداثيته ، وقد فجعت فلسطين برحيل هذا الشاعر بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتميز ، حيث ودعت جماهير الجليل شاعرها المعروف بشهر شباط من العام 2008 ، وكانت قد صدرت له المجموعات الشعرية التالية : أغنيات صغيرة -  قراءة جديدة لسورة الياسمين-  كتاب دموي لأبي تمام - رائحة المطر - ذاكرة المطر- مسافة من القلب - ثلج على كنعان - مسافة من القلب وأخرى من الذاكرة - ورثت عنك مقام النهوند ، كما صدرت له مجموعة بالعبرية عن دار النشر " عخشاف "، ترجم قصائدها نعيم عرايدي وأنطون شماس وروجيه تافور، تحت عنوان "مقعد دائم للحلم".