عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 16 تشرين الثاني 2016

مهرجان رَ - عروض أدائية تحكي عن الهوية

ميس عاصي

ربما كان الاسم هو أول اختيار موفق للبدء في افتتاح مميز لمهرجان رَ،  فهي من أصغر الكلمات في اللغة العربية، وهي فعل أمر تعني انْظُر ، حيث تم الافتتاح في حيفا، على خشبة مسرح "خشبة، ومن ثم انتقل إلى خشبة مسرح "الحكواتي " في القدس، ليختتم جولات عروضه على خشبة مسرح "القصبة" في رام الله .

وقد كان عبارة عن مهرجان فنّيّ سنويّ، تم انتاجه من قبل مسرح خشبة، والمسرح الوطني الفلسطيني الحكواتي، يستقبل أعمالًا فنّيّة أدائيّة وفرجويّة لا تتعدّى مدّتها العشرين دقيقة.
وقد شاركت في الدورة الأولى خمس فرق فنّيّة تعالج في أعمالها موضوعة الهويّةْ .

كانت العروض الادائية القصيرة تتناول جوانب مختلفة، في مضمونها تحت عنوان الهوية، وهنا تكتشف انك تتحدث عن الهوية الجمعية والشخصية، الجنسية، الدينية ، الاجتماعية، الثقافية، وغيرها، كل حسب طريقته، حيث نرى الرقص في البداية، ومن ثم ننتقل إلى الاداء المسرحي، ونختلط في النهاية مع القوالب الفنية في المسرح والاداء والرقص .

وهو يجمع فرق  مختلفة، من الداخل الفلسطيني المحتل والضفة، حيفا، القدس، الناصرة، نابلس، رام الله،ويحاول أن ينعش حلقة التواصل بين المسرح والفن في الداخل الفلسطني المحتل، والضفة الغربية، وغزة والشتات، على الرغم من كل الصعوبات التي يمكن أن تواجههم، حيث منعت بعد الفرق من الدخول إلى الداخل الفلسطيني المحتل، ورفض بعض الممثلين والراقصين أمنياً، رغم ذلك استمرت العروض واستطاعت التنقل بنجاح في المسارح الفلسطينية، وهذه تعتبر خطوة من أقوى الخطوات المسرحية، لربط بين المسارح من جه وعمل طرق جديدة لتعاون وخلق مشاريع ثقافية، ومن جهة أخرى خطوة قوية لكسر الجدار العازل، وتعدي الحواجز التي وضعها الأحتلال ليفصل بيننا وبين ثقافة الفلسطينيون الذين يعيشون في الداخل الفلسطيني المحتل .

في طريقهم للبحث عن الهوية، نرى الوحدة الشجاعة المليئة بالحب، نرى تلك القوة التي مجدها الكثيرون ولعنها آخرون، الوحدة التي لم يتمكن أحد من فهمها بالطريقة الصحيحة، نرى معنى أن يقف فنان على خشبة المسرح، وهو وحيد على الرغم من وجود زملاءه، و العيون التي ترافقه، لكنه يعيش مع نفسة وحدة تصحح من اوهامنا التي تفترسنا، ونهرب منها في محاولة تجنب هذه الهوية، المعرفة، القضية، قضية البحث عن من أكون ولماذا انا .

للتتوج بكلمة القطيع، لتذكرنا كيف تعيش البشرية، واين أنا كفرد، وما هي الهوية، سواء كانت دينية، جنسية، اجتماعية، وغيرها، كل هذه القصص حفرت من ذاكرة الشباب الفلسطيني، حيث تم الاخراج وكتابة النص من قبل اعضاء الفرقة انفسهم، ونرى أن في كل عرض هوية مختلفة عن العرض الآخر، وصورة محفورة في ذاكرة هؤلاء الشباب .

وقد كانت هناك القوة الكافية في بعض العروض لكسر الهدف الرئيسي التي تعيش من اجله البشرية، وهو خلق حصن يحميهم من الفوضى الداخلية والخارجية، من أجل جعل حياتهم تستمر،  وعدم التفكير بالمعوقات، هنا نرى عرض"عناصر". ترفض فكرة القطيع، وتضرب بعرض الحائط التعاليم الدينية التي فرضتها علينا القبيلة، ومع ذلك تحافظ على الفرد، والفرد يحترم اللوح المقدس، ولكن لا يحترم من حرف ولعب وحول الوح المقدس إلى اداة يسعى من خلالها إلى تحقيق مساعي ومصالح شخصية، من خلالها يستطيع أن يتحكم بالمجموعة، فنعيش ونحيى ونحن نظن في داخلنا أننا نتعبد ونؤمن ونفهم ما جاء بالوح المقدس، ولكننا مجرد الات مغيبة تنفذ من دون ان تفهم أو تحلل، فيتكون من خلالها القطيع، ونعيش تحت حكم السلطة والدكتاتورية، ومن يحاول الخروج عن هذه التعاليم، يواجه بالرفض، ويعامل على انه شخص مريض، يجب نفيه واستبعاده وهذا فقط لانه أمن بأن بعض الاشياء يمكن أن تكون حقيقية، وأن الواقع المرئي يخفي حقيقة أعمق، من الافعال والاحداث التي يمكن رؤيتها، فهناك اشياء لا يمكن رؤيتها .

ونرى في عرض آخر  بعض من الكوميديا السوداء، حيث نضحك على مصيبة غيرنا، وهنا صراع الهوية، الفرد، ومدى أهميته في المجتمع، والرفض القاطع لفكرة التقليل من شأن الآخر، تحت السطور كانت القضية لمشهد "رقصتي"، فهناك رجل، بين ثلاثة نساء راقصات، هو لا يعرف الرقص، ويحب المسرح، لكنه يلدغ بحرف ر، ويشارك في مهرجان،رَ، كمشاهد سيضحكك الموقف، لتتوقف لحظة مع نفسك وتفكر ابعد مما ترى، هذا الشخص الذي يضرب على الوتر الحساس، هو يشير الى وجهك، الوجه الوحيد الذي لا تستطيع ان تراه، هذه التعابير الاستثنائية، المشاكل الفردية، الداخلية، ليست هي اللدغة فقط، هي اشياء كثيرة نخاف أن نشبهها، هي قوى داخلية تتغلغل في داخلنا، وتهدد شعورنا المتقلقل بالأمان، ومع ذلك هي موجودة، ونحن لا نستطيع طردها، حيث الخوف من مواجهة الحقيقة، الفكرة، نرفض أن نعرف الحقيقة عن أنفسنا، لانها دائما ستكون بعيدة عن الحقيقة التي نتمنى ان نوصفها لأنفسنا .

وفي مشهد الاختتام، نرى لوحة ترسم صورة الهوية "ظريف الشو؟" حيث يقف ثلاثة شباب ترى بوقفتهم كيف يحتفل شعبنا، هناك في اعراسنا، حيث الإزدحام، وكيف يحاول الفرد أن يكون موجوداً، ترى الصراع بين الثقافة والاجيال، فلا شيء يبقى على حاله، كل جيل يريد أن يصنع هويته، ويبني على هوية اجداده قصة جديدة، يضع فيها لمسته، رغبته في الوجود، في أن يكون، لا يرفض الماضي، ولكن يسعى أيضا ليكون جزء لا يتجزاء في بناء الحاضر .

كان هناك سلاسة، وخفة بين العروض، وقد انتظر الحضور حتى نهاية العرض الخامس،  وقد نجح مهرجان رَ ، في دورته الأولى في كسب حب المشاهدين، فقد كان الاداء جميل وممتع، قوي في فحواها . وقد كانت العروض  مكونة من عرضي: "هروب" و "عناصر" . والمجموعة الثانية " رقصتي" و "بلا مراي" و "زريف الشو؟" .

هذا وقد تم اختيار هذه الفرق للمشاركة في العرض الأول مع مهرجان رَ من بين عشرين فرقة اخرى، وقد اشار عامر خليل مدير مسرح الحكواتي، والفنان والمخرج "بشار مرقص"  أن مهرجان رَ سيعود السنة القادمة بعروض وفرق جديد ومختلفة، ولن تكون فقط من الضفة والقدس والداخل، بل سنحاول الوصول إلى قطاع غزة والشتات .

المسرح يخوض حربته من خلال الحب، والتواصل، وهو كالعاشق، يفشي الحب لذاته وفي نفسه، ولكن تحت اعين الجمهور، يجعل القضية طليقة، والحرية في داخله تصبح حقيقة .