عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 08 تشرين الثاني 2016

الحلاج اشكالية الصوفيّة لماذا قُتل؟

محمد الزقزوق

يستيقظُ الناسُ صبيحةَ يوم الرابع و العشرون من شهر ذي القعدة سنة 309   للهجرة في بغداد إبان حكم الخليفة العباسي المقتدر بالله في القرن الرابع الهجري على مشهدٍ دموي مُروّع ،حيثُ سيفسدُ دمُ الحّلاجِ بابَ خرسان المُطل على نهرِ دجلة بعد أن يُصلبَ عليه و يُعّذب و تُقّطع أطرافه الأربعة ثم يُحز رأسهُ ثم تحرقُ جثتهُ و يُلقى بِرمادها في ماء  دجلة .

الطريقةُ الدمويةُ  التي يُتقبل بواسطتِها العلاج و التي تشبهُ إلى حدٍ بعيد طريقةُ صلبِ المسيح جعلتهُ محطُ اهتمام المستشرقين الأوروبيين  ، فكرس المستشرق الفرنسي يويس ماسينيون وقتاَ عكف فيه على انجاز كتابه المترجم إلى العربية بعنوان الام الحلاج .
وفي الشرق يُمكنُ القول أن العلاج يُشّكلُ في وعي الباحثِ العربي_ الصوفي المشكلة _ حيثُ لم يتفقْ فريقان من الفقهاء و العارفين على الرجل الذي اثار  زوبعةً فكريةً و عقائديةً ظلتْ على الرغمِ من مرورِ كل هذه العقود محلُ جدلاً و استقصاءً و تأويل . ولذا أعتقد أنه من الاهمية معرفة كيفية تصّوف الحلاج اذن ؟
مما لا شكَ فيه أنَّ الدارسَ لتاريخِ التصّوفِ الاسلاميّ يصلُ إلى نتيجةٍ توافقيةٍ مفادها أن التصّوف هو ذاك المذهبُ الذي يُعنى بتزكيةِ النفسِ و السمو بالروح إلى أعلى المراتبِ بالإضافة إلى خلق الطريقة التي تربطُ العابدَ بربهِ والتي قِوامها المحبة و العشق  الذي يصلُ إلى حدِ الفناءِ بالمحبوب عن سواه و البقاء به دون غيره .

لم يكنْ فهم الحلاج للتصَوف بعيداً عن هذا الفهم لكنه اضاف بعداً اخر اساسياً هو القتال لأجلِ الدفاعِ عن الحق وهذا الذي لم يكنْ واضحاً لدى المتصَوفة الاخرين كما هو لدى الحلاج وهذا ما سيجعلُنا  أيضاً بعدَ قليلٍ من التحرى و الاستقصاء نكشفُ عن جوانب اخرى تتعلق ببواعث القتلِ الحقيقة  التي تقفُ وراء قتل الحلاج بهذهِ الصورة الموغلة في البشاعة .

كان الحلاجُ يسيرُ في شوارعِ بغدّاد بعدَ عودته من مكة التي مكثْ فيها فتراتٍ زمنيةٍ كبيرةٍ يكابدُ الحرَ و يقتاتُ على القليلِ منَ الطعامِ و يمارسُ العبادات بإفراط . كان يسير لافتاً إليه الانظار حيثُ يرتدي لباسَ الفقراء تارةً و لباسَ العسكرِ تارةً اخري و يتفوهُ بعباراتٍ يتعذرُ فهمها ، كانتْ كلُ هذه التصرفات الغير مفهومة هي حالاتٌ من السلبِ و الجذبِ و الاستلابِ الصّوفي التي كان يمرُ بها الحلاج و التي لم يكن  يملكُ أدواتَ ضبطِ خروجها بالطرق التي يُمكن للناسِ فهمها وهذا ما ساهمَ في انتشارِ صيته و عزز أيضاً من عواملِ الاختلاف عليه .

 فمنهم من اعتبرهُ مُخالفاً و خارجاً عن النص  فحين يقول (رأيت الله بعينِ قلبي قلتُ من أنت ؟ قال أنت) أوحين يقولُ (ما في الجبة إلا الله )وحين يقول (أنا الله والله أنا  نحن روحان حللنا بدنا )، حين يقول الحلاج هذا كله يكونُ من الصعبِ على فقهاءِ العصرِ و العامة إلا أن يصفوه بالخارج و المخالف ذلك كوّنَهم اعتمدوا على ظاهر ِالنص بغضِ النظرِ عن باطنهِ المقصود.

كان الحلَاجُ يريدُ أن يقول أنه لا شيء ،  أنه عدمٌ لولا و جود ارادة الله في وجوده ، وهذا تجسيدٌ لمقامٍ من المقامات التي كان يمرُ بها الصوفي أثناء مراحل تصوفه يُدعي مقام الفناء و البقاء و الذي يعتبرُ ذروةَ تمامِ وصولِ المتصّوف إلى صوفيتهِ الكاملة ، لكن هذه ما لم يكنْ مُدركاً حيثُ يُقدمُ المتصوف إلى المقصلة بأقصر الطرق و أكثرها بشاعة ، لكن  في المقابل ألم يكن من الممكنِ أخذُ الحلاجِ مأخذه السليم ومحاولة فهمه ؟   هذا السؤال يُجيب عليه الأمام عبد القادر الجيلاني بشكلٍ واضح حين يقول (عُثر الحلاج ولم يكن في زمانه من يأخذ بيده و لو أدركته لأخذت بيده) وهنا تظهرُ حقيقةٌ اخرى يقولها الامام الجيلاني بوضوح هو أنه لا يُمكن قتل الحلاج بتهمة الكفر ذلكَ كوّنهُ الصوفيُ الذي شاهدَ منَ الحقائقِ ما يتعذر فهمها لكنه و بالرغم من كل شيء اثر  البوحَ بها عن غيرِ قصدٍ فهو في حالةِ السّلبِ يفقدُ ادراكهُ و يذوبُ تماماً في الحالة التي لا يُمكن معها سوى التناهي و الانصهار و تفقد في ذاتِ الوقت محددات خروجها . وفي نظرة إلى السياق التاريخي يظهر لنا موقف للحلاج لا يُمكن تجاهله أو غض النظر عنه كونه ينطوي على حقيقة من المؤكد أن تكون واحدة من بواعث قتل الحلاج إن لم تكن اساسها  إلا وهو موقفه مع الموالي وهم الخدم و الحلفاء من غير العرب أى  المسلمين من خارج اطار منطقة الجزيرة العربية من اتراك و افارقة و فرس و  أكراد  يتجسد موقف الحلاج في أنه انتصر للموالي الذين أُخِذتْ أموالهم و سُلِبتْ حقوقهم و سُرِقت ثرواتهم ثم تكدستْ في خزينةِ من يملك و يتحكم وهي الدولة العباسية انذاك ، أراد العلاج أن يمارسه صوفيتهُ التي يؤمن بها و التي هي    في جوهرها جهاد في  سبيل إحقاق  الحق،  وليس مسلكاً فردياً بين المتصوف والخالق فقط. لقد طوّر الحلاجُ النظرةَ العامةَ إلى التّصوف ، فجعله جهاداً ضدَ الظلمِ والطغيانِ ونظراً لما لتلك الدعوة من تأثير على السلطة السياسية الحاكمة في حينه صُنِعتْ له التهمة التي لم تكابدْ السلطة مهمة توافر أدلتها و هي الكفر و الإلحاد ، استقطبتْ السلطة العامة الذينَ هم أنصارهُ الحقيقيون حيث كانَ صوتهم و المنادي بحقوقِهم و المدافع عنها ليكونوا هم المنادين بقتله ، أنها الإرادة السياسية الوقحة ذاتها التي قتلت و سفكت على مدار قرون متتالية من تاريخ  البشر ، هي نفس المقصلة ، هو نفس الصوت .

مات الحلاج الصوفي شهيداً لدعوة الحق التي امن بها و قُتلَ في سبيل الدفاع عنها ، هي نفس الموتة التي يموتها كل مدافع عن الحق منذُ أن خُلقَ الكون وحتى زواله ممن تلبّستهم الحالة الحلاجيّة وحين تسألني عن الصوفية سأقول لك أن الحلاج صوفي و ابن عربي صوفي وكذلك ابن الفارض حتى أصل إلى اليوم فقول لك لا يوجد صوفية ذلك كونها أُفرغت من الكثير من مضامينها و أصبحت شكلا عبثيا من الدروشة و الخمول الفكري حتى أصبحت كون كثرة مريدها و تعدد طرقتها و انتشارها في الكثير من البلدان العربية قوة يسيل لها لعاب الحكام و يسعون بكل ما يمتلكون إلى سحب هذه الكتلة البشرية الصامدة و المحايدة تجاههم .

أمس اذا كنت حلاجا ستموت ستذبح و تقطع و تحرق ، اليوم كن حلاجا ستعيش لن يعترض طريقك أحد .