السلامُ سيكونُ ممكناً.... ذاتَ يوم
بيلار غونثالث /اسبانيا
الى أحمد يعقوب
( كُتبتْ بعد سفرتي إلى فلسطين ، من 28 تموز الى 2 آب 2015، عندما أمكنني ذلك ، وجعلني أتعرف على حقيقةٍ كنت أجهلها)
I
مع كل الذي أعرفه ، لايمكنني فعل الكثير
لستُ صحافيةً ، ولا سياسيةً ، ولا ذاكرةَ لي ــــــــ حتى ـــــ لأتذكرَ الأحداثَ في ترتيبٍ منطقيٍ ومتسق ، ولا لأتذكرَ التاريخَ من وجهةِ نظرِ الخاسرين ، أو من اللذين يستحقونه .
أنا قادرةٌ على روايته من جانبٍ آخر ، وأن ألقيَ على " الدمار " كلّ رحمتي وحناني. ولا أريدُ خيانتك .
ولكن ، مع ذلك ، أنا قادرةُ على الإحساس بكل الظلم . وفي أعماق دواخلي ثمة ما يقول لي من هم ( إن لم يكونو الأخيار )، الأكثر خيراً ، والأقل شراً .
لكن ، وجهة النظر هذه ، عندما تُــقال وتُــروى ، باللغة الشائعة ، فإنك تُــلقي تراباً أكثر على التاريخ ، تلقي على قبره كلماتٍ و كلماتٍ تشبه نفسها فقط .
شربتُ فنجانَ قهوة ما بعد النحيب مع بعض الهيل ، ويبدو أنني مثل مادلين بروست ، ثمة أمرٌ يجعلني استحضر ، تلك الأرض المليئة بالهضاب القاحلة حيث تنتطلق أناشيد مدورة .
ترجمني ، تسقط فوق قرون سنواتي ، واحداً تلو الآخر ، والأحجار تدفنني ، تدفن الحيَّ والميتَ وكلُّ شيءٍ يعودُ الى اللاشيء . مشهد ترابي فارغ يعيدُ تجفيفَ الصراخِ و تـــَـحْمُسني القبلة.
من عينيك ، يا حبيبي ، تلد دموع من الشمع . ومن ضلوعك ، هناك حيث كان للأجنحة أن تنمو ، تنولد أقدامُ أم اربعة واربعين.
وأنا ، لأنني أحبك ، لأنني أصغيت لك ، كما لو أنني مضغتُ أحجاراً ،حتى تصطك أسناني
II
دمٌ كان هناك ، دماءٌ لا تُــرى وقد أريقت ، وتحولت الى هواء أو الى نور . دمٌ ضائعٌ ومنسيٌ كي يتمَّ تذكره لاحقاً . ورهطٌ من الخيول تعدو .
الدم تدوسه قطعان ... قطعان من الخيول التي تهرب فوق الأشياء، تعبر حدائق، بيوت ، وعمارات .
تصهل غاضبة ، من العجلة والعجز .
ساخطة ، كانت تتقدم فوق الروبة القوية للطريق ، وترش مشاة ماريين بلاحدود ..
خيولٌ دخلت من النوافذ المفتوحة للبيوت ، واندفنت وحيدة في فم فتحة أرضية، وقد اخترقت عيون أحد العابرين التائهين ، أو من قهقهة طفل أو من الجنس الذي تمارسه امرأة مشاعة .
شاهدتُ كيفَ دخلَ حصانٌ في مسمعك وأحدهم قال لي : أن كثيرا منها كانت تخبب ، حول أصابعي وأنا أكتب .
دمٌ ، خيولٌ ، حجارة ٌ، ثلاثيةُ الألم ... (ثلاثية ) القوة المهزومة ... ( ثلاثية ) الإنتقام الصغير الذي يجعل الموت ينجو .
وأنت ، مع ذلك ، بقيت إلى جانبي ، تحاول أن تكون نخلةً ، ومنعشاً لكل واحاتي ، وعلى الرغم من ذلك ، بعيداً كثيراً ، ثمةَ مشهدٌ ناشفٌ جفَّف لنا الروح. وهـَــمـَست لي بمعاناتك، بذاك الصوت الخشن والصامت الذي أخذ يداعبني .
III
حدثتني عن " A " ، و" B " ، وعن "X " ، و" J " ، وعن ذاك عندما كان جارحاً جداً وعن ما كان فظيعاً جداً . وعيناك في تلك اللحظة كانتا ملهمتان ... تنظران بثباتٍ إلى مكانٍ غريبٍ وسط ذاك الفضاء ، كما لو أنه كان هناك ، إلى يسار النظرة، ينبوع ، كلمات وذاكرة.
وأنا كنت أصغي لك بآذان قلبي المفتوح على مصرعيه. وأحسست بألمك وهو يتذرى ، وكلماتك تنفلت كالأناشيد المدورة ، بشوقها المشروع لرجم ، كل ما هو حي ، تحت .
لكن الأحجار عادت وحيدة لتصعد كي تسقط..
حبيبي ، لاأعرف حتى إن كنت أحبك ولماذا.
IV
فقط ، يتبقى لنا السلام ، مثل بقية سائل بين الآيادي . السلام مثل علم بلادٍ غير موجودة . أنت كنت تحدثني عنها وروحك كانت تستحيل طريةً كل مرة . وشفاهك أكثر حنانا وحلاوة.
كنتَ سعيداً تحلم بها كما لو أنّ كلّ الوعود ستتحقق.. كتبت لي ذلك على ورقةٍ : " السلامُ سيكون ممكناً ... ذاتَ يوم " .
هكذا ، كلّ رغبتك بقيت نقيةً في الخرسِ الصامتِ للكتابة .. سليمة ، للمعنى وللأمل .
مواضيع ذات صلة
"حين ينام العالم" لفرانشيسكا ألبانيزي.. عشر حكايات لفهم فلسطين
كرتلات الكتب.. يوميات الحياة والحرب في غزة
ذاكرة القراءة في الثمانينيات
رؤى معلقة في لغة الفرشاة.. إلى الفنان إبراهيم النوباني
معرض بغداد الدولي للكتاب يفتح أبوابه للقراء
القاهرة تستعيد نجيب محفوظ في الذكرى الـ20 لرحيله
"إرث مريم".. عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية