عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 18 أيار 2016

عن الزي العسكري والقيم

هآرتس - بقلم: آفي ساغي ويديديا شتيرن

مثل الجنرال يئير غولان، نحن نخاف ايضا من مظاهر العنصرية في المجتمع الاسرائيلي. ونحن نحيي الوطنية العميقة والجرأة الجماهيرية الكامنة في أقواله اللاذعة في احياء ذكرى الكارثة. ونحن نفخر بالضابط الذي يواجه الاجحاف الاخلاقي ويصمت أمام ردود الافعال. ولكن كل ذلك لا يعني أننا نؤيد سلوكه. فقد كانت أقوال الجنرال غولان خطأ كبيرا على عدة مستويات:

هناك صلة بين الزي العسكري وبين القيم. عملية اعداد ضباط الجيش الاسرائيلي تشمل اكسابهم القيم التي هي الضمانة حتى يكونوا رُسل أمينين لدولة تتبنى القيم اليهودية والديمقراطية. الضابط ليس شخصا يحمل السلاح فقط، بل هو شخصية اخلاقية ومهندمة. ولكن يجب التمييز بين مسؤولية الضابط عن الأداء الاخلاقي أمام جنوده وكيفية استخدام القوة وبين مسؤوليته تجاه المجتمع المدني. ليس من المفروض أن يوجه لابسو الزي العسكري النقاش المدني حتى لو كانت نواياهم حسنة. ونقول بوضوح: لا نريد أن نشبه انظمة مثل تركيا اتاتورك التي يكون الجيش فيها هو الذي يدافع عن الديمقراطية.

عندما تحدث رئيس هيئة الاركان عن طهارة سلاح جنوده، فقد فعل ذلك حسب وثيقة "روح الجيش الاسرائيلي"، التي هي الهوية الاخلاقية للمقاتلين. وعندما يقوم نائب رئيس الاركان بانتقاد المجتمع المدني في لحظة رمزية جدا، فانه يتجاوز بذلك الخطوط الحمراء. فهذا استخدام لا يليق بالسمعة الاجتماعية التي يمنحه إياها الزي العسكري للجيش الاسرائيلي. إن من يريد الدفاع عن تجاوز غولان للخطوط الحمراء، الذي أراد أن يكون رجلا في المكان الذي لا يوجد فيه رجال، والذي اعتبر أن موقفه رسمية تفصيلية، يجب عليه الادراك أنه في المستقبل (القريب؟) سيأتي نائب رئيس اركان آخر، خريج معهد عيلي في السامرة مثلا، ويقوم بانتقاد المجتمع المدني بسبب نقاط ضعف اخرى، التي هي حسب رأيه تشكل خطرا على المشروع الصهيوني.

إن غولان هو مقاتلا مميزا، لكنه ليس باحثا اجتماعيا أو مفكرا أو قاضيا أو صاحب نظرية معينة تبرر اقواله حول امور ليست ضمن مسؤوليته. وعلى هذه الخلفية من الواضح لماذا اخطأ عندما قام بتشبيه الوضع في اسرائيل بالوضع الذي أدى الى حدوث الكارثة اليهودية في المانيا. يجب علينا معرفة أن الكارثة ليست مجرد حدث في تاريخ الانسانية، بل هي حسب ايلي فيزل "جبل سيناء من الظلام"، حدث لمرة واحدة ولا يمكن مقارنته مع أي حدث آخر. الكارثة هي أمر مطلق سيء ويجب أن تبقى في الوعي بشكل منفصل عن أحداث سيئة اخرى، حتى لو كانت هذه تجعل دمنا يغلي وتعرضنا للخطر.

إن من يربط بين الكارثة وبين أمور اخرى مثل العنصرية في داخلنا (الجنرال غولان) أو النكبة الفلسطينية (معهد فان لير) أو الانفصال عن غوش قطيف (حباد)، يساهم في تلاشي الخصوصية الرمزية للكارثة كتعبير عن السوء. وبهذا يقلل من شأنها. إن المقارنة مع الكارثة تنشيء مجالا ثنائيا وهميا لـ "السيء" و "الجيد" بشكل مطلق، الامر الذي يؤدي الى ضحالة فهم الواقع وشطب تعقيداته.

في مقابل نضال غولان الهام ضد العنصرية، كان يجب عليه التفكير بالثمن الاجتماعي الذي تسبب به الخطاب الذي ألقاه للجيش الاسرائيلي. إن على كل ضابط رفيع المستوى أن يتردد قبل التحدث بطريقة تضع الجيش رغم أنفه في عين عاصفة الخلاف الجماهيري في اسرائيل. إن مكانة الجيش الاسرائيلي في المجتمع الاسرائيلي هي ذخر استراتيجي يضاعف قوته، ولها قيمة عليا.

لقد سقطت سكين ما بعد الحداثة على رقاب البقرات المقدسة في اسرائيل، باستثناء الجيش الاسرائيلي. فها هي محكمة العدل العليا التي مهمتها اتخاذ القرارات المهنية، اضطرت الى دفع الثمن، لكن الجيش ليس مسؤولا عن هذه الامور، ومحظور عليه تبذير رفعته في الامور المدنية. وليس صدفة أننا نقوم بالباس الضباط الزي العسكري حتى نشوش هويتهم الشخصية وبذلك يتضامن الجميع معهم.

الشعار القديم "الجيش يبني شعب" يمكننا رؤيته في معسكرات الجيش الاسرائيلي حتى الآن. هذا الشعار الذي يفسد ثقافتنا السياسية ويجدر إزالته. فالدولة لم تمنح الجيش وقادته صلاحية بناء الشعب، بل ألقت عليهم مسؤولية الحفاظ على أمن الدولة، ومن هنا يجب عليهم التركيز في ذلك.