بيروت 4.. على أهداب تنورين ووداع شمس البترون
كتب محمد مسالمة
"ع هدير البوسطة، اللي كانت ناقلتنا من اوتيل اكواريوم على ضيعة تنورين".. على صوت رومي وهي تغنّي لنا بصوتها العذب في طريقنا من جونية إلى ضيعة تنورين، انطلقنا من صالة الفندق عند الساعة التاسعة صباحا، لنقضي آخر يوم لنا في لبنان في هذه الضيعة وأماكن أخرى حولها تفنّن الخالق في صنعها.
أخذنا مركبتين باتجاه الضيعة في محافظة الشمال، عبر طريق الجبال حيث نعتلي كثيراً عن الساحل، فالمنطقة ترتفع عن سطح البحر حوالي 1500 متر, أرى على يميني ويساري أشجارا خضراء كثيفة، بعد نصف ساعة من العلو استقر بنا السير في طريق تشق الجبال الشاهقة، شاهقة لكنّها قريبة إلى القلب والعقل، والحياة فيها ممكنة، أرى في قممها الأشجار والورود والطيور.
في الطريق، تحدثنا جيسي عن روعة المكان الذي سنصل إليه في ضيعة تنورين، وكلما تقدّمنا تغنّت لنا رومي بجبال لبنان التي نراها، وللصمت فترات كثيرة، فالمشاهد التي أمامي أغنى كثيراً من الكلمات !
شققنا الجبال، ووصلنا إلى بالوع بلعا، ترجلّنا، وبدأت اكتشف معالمه البديعة، بالوع صخري شاهق وعميق، أقبل عليه وكأنني ألج مغارة ضخمة جداً، ومن أعلى نقطة فيه تتدلى المياه من شلالٍ صافٍ يصب في أعماقه الوعرة، وصلت إلى صخرة داخل البالوع تمتد من شرقه إلى أقصى غربه وتتعلق على مشهد العمق، وقفت عليها ولم استطع النظر إلى أسفل برهة لأخذ صورة تذكارية.
أشبعت النظر في كل التفاصيل، وعدت مع الفريق إلى المركبات لنكمل الطريق إلى تنورين، فمسافة المشي على الأقدام من أسفل البالوع تستمر 10 دقائق بذلت فيها جهداً وافرا، وكأنني أتسلق الجبل، ومضينا قدماً.
على أهداب تنورين، يتطابق الخريف مع خصائصه، حيث يطغى اللون الأصفر جوانب الطريق، وتتساقط أوراق الأشجار أمام عيني بخجل وتفرش لوحة فنّية تعكس تناسق الأغصان.
تنورين.. تتناثر بيوتها على جبلين متوسطي الانحدار والمسافة بينهما قصيرة، وتصل بينهما طريق الوادي، حيث وقفنا عند بقالة صغيرة وتزودنا بالمياه والعصائر والمسليات، تجوّلنا في الضيعة ورأينا على وجوه أهلها بساطة مفرطة، تعكس طيبة تتربع في قلوبهم، إلى أن وصلنا أهم المعالم روعة في المنطقة.. إلى حديقة أرز تنورين.
الحديقة أنشئت عام 1999، وتديرها وزارة البيئة، على بابها استقبلنا الموظف المسؤول، وأخذ يوضح لنا معالم الحديقة ومسارات المشي داخلها (الدروب)، والمسموح والممنوع عمله في الحديقة، وأخذنا الدرب رقم 3 الذي يبدأ من مدخل الغابة تقريباً، ويمتد على مسافة 2 كيلو متر بمعدل ساعة وربع الساعة من المشي وهو درب متوسط الوعورة.
أشجار الأرز كثيفة وعلى منحدرات شديدة، ولكن جمالها يفوق خطورة المكان ومحاذيره، يقول شادي أننا نرتفع تقريباً 2000 متر عن سطح البحر، الهواء نقي تماماً، فنحن نقف في رئة من الأشجار التي تضخ الأوكسجين العذب.
أخذنا الدرب 3 ومشينا في طريق مرسوم وسط الغابة، ننزل بين أشجار الأرز وننظر إلى الأزهار النادرة، والمناظر الطبيعية الخلّابة، وما بين شجرة وأخرى، تتسلل إلينا خصل من أشعة الشمس. وفي الغابة، يمنع الصيد وإشعال النار لأي سبب، ويمنع التدخين وإدخال الحيوانات الأليفة، مكتوب على لوائح الغابة التعليمات، وينصح أن ترافق الزائر كاميرا توثق لحظات جميلة يصادفها، ولن يشعر بها إلا في غابة أرز تنورين.
في منتصف الدرب، جلسنا على صخرة كبيرة مطلّة على واد سحيق، ومغطّى بأشجار الأرز، سنأخذ قسطا من الراحة ونكمل الدرب، استرقنا وقتا من الراحة لنأخذ الصور قبل أن نمضي في طريقنا إلى النهاية على باب الغابة حيث بدأنا الدرب، وأخذنا صورة النهاية كمن يعلن الانتصار.
سنغادر بيروت اليوم عند الساعة العاشرة مساء، ومعنى ذلك يتوجب علينا الحضور إلى المطار في تمام الثامنة، الشمس تميل وسنودع تنورين ونغادر باتجاه الساحل إلى البترون. في طريقنا مررنا بالعديد من الضّيع، ضيعة تعبورة وضيعة كفر حانا وضيعة أجد عبرين، وكل منها لها طابعها الخاص كما يبدو.
اشتقت للبحر، طوال ساعات اليوم التي قضيناها في الجبال، على عكس الأيام الماضية التي لم نفارق فيها البحر.. فأول إطلالة على الشاطئ جعلتني اشهق من جديد لهذا الملاذ الساحر، وصلنا إلى البترون عند الساعة الرابعة عصرا تقريبا، تناولنا غداءنا، وعدنا إلى الاوتيل مع شمس البترون التي تودّعنا وهي تختفي وراء البحر.
في فندق أكواريوم، ودّعنا طاقم العمل الرائع، الذي لم يبخل علينا طيلة إقامتنا بكل الخدمات التي احتجناها، أخذنا حقائبنا وغادرنا إلى المطار.
في المطار، أخبرونا بأن الطائرة أُلغيت ! والسبب؟! أن هناك طلبا موجها للبنان بإيقاف الرحلات الجوية، بسبب المناورات الروسية.. ترددت الأنباء واستقرت على أن الطائرة ستغادر الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، وبالتالي تكون قد تأجلت ساعتين عن موعدها.
لم يتعكر صفوي كثيراً لهذا النبأ، فالمشاعر إلى بيروت وأهلها وشوارعها وضيعها ومبانيها وشواطئها ولياليها لا تحتمل البعد عنها، ساعتين أستغل فيهما قرباً محتماً ولو كانت من خلف جدران صالة مطار الحريري.
دقّت ساعة الإقلاع، وألقيت من الجو السلام على بيروت وقلت: إلى لقاء قريب.
تنويه.. هذا هو المقال الرابع والاخير ضمن سلسلة مقالات للكاتب عن زيارته للبنان، ولقراءة البقيّة:
بيروت 1
http://www.alhaya.ps/ar_page.php?id=a8e15ay11067738Ya8e15a
بيروت 2
http://www.alhaya.ps/ar_page.php?id=b97b22y12155682Yb97b22
بيروت 3
http://www.alhaya.ps/ar_page.php?id=d317d5y13834197Yd317d5
مواضيع ذات صلة
"إيتان" تستعرض "عضلاتها" في جنين المحاصرة ومخيمها المحتل
ضجة وشائعات "تنهش" لحوم جنين
صرخات أمهات الأسرى.. شاهدة على مأساة إنسانية متفاقمة خلف جدران السجون
الاحتلال يهدم محلا تجاريا وأسوارا في سلوان جنوب القدس
الخليل تواجه محاولة إعادة احتلالها بغطاء إداري
3 عائلات في مهب الإخلاء في عرابة
تهديدات بيئية خطيرة تلاحق وادي نهر المُقطع