عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 تشرين الأول 2026

كنت.. هناك!

تغريدة الصباح- حسن حميد

كنت.. هناك!

ها أنذا،

أعود من بيروت بعاطفة مملوءة محبة!

دائماً، كانت بيروت قادرة على المضايفة العاطفية، فهي بحق، مدينة نور، وأسئلة، وجمال، ومحبة، لقد عشت فيها سنوات من أجل جمع بعض شهادات الدراسات العليا إلى صدري، وقد كانت هذه السنوات غنية غنى البراري بما حباها الله من أسرار الجمال، وغنى العشب، والماء، والطيور وهي طي مراجيح الهواء، وطي ما تختاره من الأمكنة، والأشجار..كيما تبني أعشاشها.

في هذه الزيارة جددت رؤياي، وأنا أمطرها بالأسئلة الجديدة عن بيروت  المكان، وبيروت التاريخ، وبيروت الاجتماع، وبيروت الثقافة، وبيروت الحرية، وبيروت الشعور بسعادة الناس رغم فراغ الجيوب، وقلة الحيلة، وعدم الوصول الهادئ إلى الأماني القارعات للعقل والقلب معاً، وقد وصلت إلى قناعة عرفتها قبلاً، وجددتها من خلال هذه الزيارة، وقد كانت قصيرة كتلويحة يد، لكن غناها كان امتداداً لأيام طوال، ولقراءات طوال أيضاً، وصداقات نادرة، وأمكنة خلقها الله لتكون مأنوسة، دافئة في كل شيء؛ قناعتي المتجددة قالت لي مرة أخرى، إن كل شارع، وحي، وزقاق، ومطعم، ومقهى، وحانوت، وجامعة، ودارة ثقافة، ومطبعة، ورصيف، وشجرة، وانعطافة مستورة بظلال خجول، وبائع مطمئن، وكائن شارد هنا أو هناك، ومتأمل هنا أو هناك، وامرآة تمشي وحيدة بألف عين وأذن، أو امرأة تجلس وحيدة في مقهى فلا يقاسمها الهواء سوى رائحة قهوتها، ولا يقاسمها شرودها سوى هذا الصباح الطالع مثل نبات خرافي له لونه، وبهرة ضوئه، وجماله، وسحره الرامش رمش أهداب بللها دمع حيي، أو امرأة تفترش فرحتها حتى لتكاد تبدو طير حجل وعى أنه سيد العشب، وسيد الهدأة، فراح يتنقل مثل غيم يبدد ما حوله بالذارعين.. كل هذا يستوقفك، ليقول لك همساً: هنا هي الحياة!.. الزوايا كانت لحظات حياة، كتبت بحبر ماء القلب بين عشاق استمهلوا الوقت، فأوقفوه، كيما يصير العناق القصير هو الحياة، والمقاهي كانت نبعة الأسئلة، والمطابع كانت هواء الدنيا التي تقول هذا صباح وهذا مساء، وهذا جمال، وهذا قبح، والأرصفة كانت السامع والناصت لكل معتزل، والكتب كانت هي الباعث للهمم، والجامعات كانت الروح اللوابة عن المعاني الجديدة، ودور النشر كانت الرايات للمباهاة بالإبداع، والفكر، والأسئلة الثقيلة، والترجمات التي جعلت من المثاقفة سراً من أسرار المجتمعات، عفواً، من أسرار الحضارات الباقية بصروحها، وظلالها، وما اشتقته من دروب، وما جعلته علوات لذرا كانت أبعد من الأحلام، والكتّاب الذين ألفوا هذا المكان أو ذاك، فاستودعوه أرواحهم، وما كتبوه من أشواق غدت سيراً وارفات، ناددت ما أرادت الفلسفة أن تقوله أو تبوح به.

في هذه الزيارة اعتزلت الناس، فلم أذهب إلى عنوان، ولا إلى دار، ولا إلى عريشة لشاعر طائر، أو روائي، أو قاص، أو موسيقي يرتقي الأدراج، عاشقة السماء، على مهل وريث شديدين، وهو يلوب على ما حلم به ليقر حبراً أو نغماً أو لونا أو سؤالاً، أو حكاية تعيد إلى (سافو) الإغريقية رهجة الأصابع المائية وهي تلاعب الهواء، أو تعيد إلى (علي فودة) ما يستحقه من حضور أبدي فوق رصيف عاشه ليل نهار، أو تواقف صورة (جلجامش) وهو يبكي (أنكيدو)، وقد أدرك معنى أن يكون له صديق، كنت أفكر بدرب ناحل، يجذبني، ليأخذني إلى مخيم (مار الياس) حيث الهواء يقابل الهواء، والنوافذ تقابل النوافذ، والأبواب تجهر، بعلو الصوت، أن عافية النهارات قادمة لا ريب، أو يأخذني بالحياء العميم إلى (برج البراجنة) الذي كتبت، قبل أربعين سنة، عن بيوته وناسه، والعجوز درية التي أحبت شجر الرمان، والرمان، وأعواد الرمان، وألون الرمان، وأفياء الرمان، حين تعرفت إلى (زيناتي) مرتجى الحياة وزينتها، لكن الزمان هزمها حين اختطف (زيناتي) فغنت له حزنها كله، وزاحمت الرجال في حز رقبتها بخشب تابوته، ياه.. كم جالستها، وكم شاركتها الدمع في جلسات مداد، حين تدهمها الذكريات.. أو يأخذني الدرب إلى مقبرة (صبرا وشاتيلا) لأرمي سلامي لصاحب (رجال في الشمس)، وأنحني له، قلت: أما الناس، فسأراهم في معرض الكتاب، سأرى من اشتاقت روحي إليهم، أما الأولوية فهي للأمكنة التي علمتني كثيراً، الأمكنة التي زرتها فأبكتني مرات ومرات، والأمكنة التي أوقفتني فبحت لها بالكلام، وأفلت دمعي، والأمكنة التي ركعت في ظلالها، وساررتها، والأمكنة التي انحنيت لها.. لجلالها.

يا إلهي، لكأنني سهوت!

لقد ذهبت إلى المعرض، وقد عرفته من قبل.

فكان طي دهشته التي اعتدتها، هنا البشر طيور بسامة، هنا أهلي الذين أحبوا الورق، والحبر، والكتب، والمطابع، جاؤوا ليروا سحر الكلام، هنا يستريحون في هذا الجناح أو في ذاك، هنا مفاجآت الأصدقاء القادمين من البلاد البعيدة، هنا السعادة التي تحيط بهم كالهواء، وهنا حواراتهم التي تجول في مقاهي المعرض، وهنا الأخبار البادية مثل عرائش الدوالي، وهنا وهناك، ترى مشاهير المجتمع يواقفون الناس، والكاميرات،  فتصير الصور صحفا ومجلات وأخباراً في الصباح، وهنا وهناك.. محاضرات حول الحرية، والرواية، والشعر، والموسيقى، والسينما، والسير الذاتية، والفكر، وهنا وهناك ترى حولك من يخبرك عن عشق الناس للقهوة، لكأنهم جميعاً يطلبون المزيد من الصحو، وفي الطرف المضاء، ترى بعض الطيور تجاسرت، فمشت فوق مفارش العشب، لكأن الأحاديث، والأسئلة، والابتسامات، والخطا الرخية.. كلها، جعلت الناس طيوراً أيضاً؛ وفي كل جناح، حيث يوقّع الكتّاب كتبهم، بدت كاميرات أهل الإعلام، وقد أضاءت، وشعّت بالترحاب!

ساعات، وليال، وأحاديث، وأفكار، وأسئلة، وكتب جديدة، ولقاءات، وطيوف محبة تترادف مثل الصفحات.. كلها رافقتني طي شعور وقناعة، بأن الكتب ليست حقيقة الحياة فقط، بل هي سرها الأوفى والأجمل، وهي عزلة العقول التي كتبت لنا جمال الحياة الذي كان، والكائن اليوم، والذي سيكون غداً أيضاً، والكتب هي احزان الناس التي تضيء، وقد تجلت لتكون خلاصة المعاني!

  بلى، في معرض الكتاب، في بيروت، حيث كنت هناك، ترى الإبداع، والبراعات، والاشتقاقات، والجمال، والصداقات.. كائنات لا تعرف الذبول أو التواري، إنها كائنات أنوار الحبر حين يضيء!

Hasanhamid5656@gmail.com