عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 24 تشرين الأول 2026

"طوابق رأسي المتعددة" لأيمن حسونة.. الحياة في تفاصيلها الصغيرة

مهيب البرغوثي

وانت تجلس وحدك تقرأ في هذا الكتاب ، خلف مكتب أو امام نافذة أو وانت نائم على الارض او في السماء،لا تفكر برأسك ولا بمن يسكنون فيه قد يكون تلك الطوابق مشغولة بالكامل بعمال مصانع التبغ او قد تجد مقهى في الطابق الثاني يقدم كل أنواع المشروبات والاراجيل مجاناً ، فقط حول ان ابتسم كمن يدخل او تجربة حب 

الكتاب صدر حديثًا عن منشورات المتوسط في إيطاليا «طوابق رأسي المتعددة» للكاتب الفلسطيني الأردني أيمن حسونة، وهو يحاول ان يجعلة تجربة ذاتية يكتب فيها عن حياته بكل ما تحمل من خسارات واصدقاء ، لا بوصفها حكاية مكتملة أو سيرة تسير في خط مستقيم، بل باعتبارها تفاصيل متراكمة، ومواقف وذكريات ومفارقات تستحق أن يعاد النظر إليها من زوايا مختلفة.

في فصل الطابق الثالث جاء تحت رعاية بدعم من برنامج "ابتسم" يقول فيه : "ابتساماتنا التي يراها الآخرون ، نظن أننا نعرفها ، او ربما نتوهم أن شكل هذه الابتسامة مناسب لوقت التقاط اللحظة ومكانها وظرفها ،وحين نرى انعكاس ما اعتقدنا أننا اردنا ان نرسله عبر زم الشفتين او فردهما وشد الجبين ورفع الحاجب ".

ما يلفت في تجربة حسونة أنه لا يكتفي بالوقوف عند الأحداث الكبيرة التي تترك أثرها في حياتنا وحياته، بل يذهب إلى التفاصيل الصغيرة، تلك التي قد تبدو عابرة في يومها، لكنها تكشف، حين نستعيدها، الكثير عن أنفسنا وعن الطريقة التي نعيش بها. فالكتابة عن الحياة لا تعني بالضرورة استعراض محطاتها الكبرى؛ أحيانًا تكفي تفصيلة صغيرة كي تفتح بابًا واسعًا على الذاكرة.

حاول حسونه ان يصل إلى لحظة يدرك فيها القارئ انه كتب من خارج المشهد ولم يكن جزء منه لكنه نسي انه يكتب جزء من سيرة رأسة وما يحب فيه،  فيقول في "طابق الحب": "احب مني ما في هدوء يزورني وانا في اشد الحاجة إلى حفلة كاملة تدوم ليومين وليلة تدب في رأسي ".

وتأتي السخرية عنصرًا مهمًا في هذه التجربة. لا يستخدمها الكاتب للهرب من الألم، ولا لتقديم حياته في صورة خفيفة، بل يمنحها وظيفة أخرى: أن ينظر إلى التجربة من مسافة تسمح برؤية تناقضاتها. فثمة أشياء يصعب مواجهتها بجدية كاملة، وثمة مواقف لا تكشف حقيقتها إلا حين نضحك منها، أو من أنفسنا ونحن نحاول فهمها.

في «طوابق رأسي المتعددة»، تتخذ الكتابة من التجربة الشخصية مادة لها، لكنها لا تنغلق بالضرورة داخل حدود صاحبها. فالقارئ يستطيع أن يعثر في التفاصيل التي يرويها الكاتب على شيء من حياته الخاصة، وعلى مواقف يعرفها، حتى إن اختلفت ظروفه وتجربته.

العنوان نفسه يوحي بذات متعددة الطبقات، لا تستقر في مكان واحد، ولا تتخلص بسهولة من ذكرياتها وتناقضاتها. إنها ذات تحاول أن تفهم حياتها، وتعيد النظر في تفاصيلها، وتستعين بالسخرية كي تقول ما قد تعجز اللغة الجادة وحدها عن قوله.

أما في الطابق الأخير يقول:

"العالم يضيق بك ، حتى صوت العود ألفته منذ كنت صغيرا ، انظر إلى الشاشة فيأتي صوت سيد مكاوي ليغني، لم تعد تهتز لرؤية المطر، هو ذاته يعود كل عام بروتينية مملة . ولو ان السجائر يختلف طعمها من واحدة لأخرة لأقلعت عن التدخين. 

بهذا المعنى، لا تكمن قيمة التجربة في مجرد كتابة الحياة، بل في القدرة على اكتشاف ما يستحق الكتابة فيها؛ ففي التفاصيل الصغيرة حكايات كاملة، وفي السخرية أحيانًا طريقة أخرى لقول الحقيقة.