عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 24 تشرين الأول 2026

"السيرة الهلالية".. حين تتسع الحكاية لبلاد بأكملها

ميس عاصي

هناك حكايات لا تموت حين تتغير البلاد، ولا تصمت حين تتباعد الطرق بين أهلها. تظلّ تعيش في الأغاني، الأجيال، وفي الأجساد التي تحفظ إيقاع:ا قديم:ا من دون أن تتذكر متى تعلمته. بعض الحكايات لا نعرفها لأننا قرأناها، بل لأننا سمعناها في صوت أم، أو في غناء جماعي، أو في زغرودة أطلقتها امرأة في لحظة فرح. وحين شاهدت «السيرة الهلالية»، عرض بشّار مرقص وخلود باسل من إنتاج مسرح خشبة الفلسطيني، في مونبلييه، شعرت أن الحكاية لا تعود إلينا من الماضي فقط؛ بل تفتح باب:ا على ما بقي بيننا، رغم الحدود التي فرقت الناس والبلاد.

تستعيد المسرحية الملحمة العربية الشفهية التي تناقلها الرواة والشعراء الشعبيون جيلا: بعد جيل، وتتبع رحلة بني هلال من نجد في شبه الجزيرة العربية نحو تونس. وفي قلب الحكاية أبو زيد الهلالي، الطفل الذي يقصى في صغره بسبب لون بشرته، قبل أن يشقّ طريقه من التهميش والاقتلاع إلى أن يصبح واحدا من أشهر أبطال الذاكرة الشعبية. لا تقدم السيرة هنا كحكاية قديمة تروى لمجرد الحنين، بل كعالم من الترحال

والانتماء والتمييز والنجاة، يعود إلى الخشبة ليسائل حاضرنا أيضا: من يملك حقّ الانتماء؟ وكيف تصنع الجماعات حكاياتها وتحفظها؟

منذ المشهد الأول، كان خيال الظلّ يفتح بابا آخر للرواية. يرسم الضوء ظلالا تتحرك، وتظهر على الشاشة هضاب صحراوية ورمال تمتد حتى شاطئ البحر، ثم تتكاثر الشخصيات وتتحول إلى جموع، وتعبر الخيول الصحراء في مشاهد يتجاوز اتساعها عدد الأجساد الموجودة على الخشبة.

للحظة، بدا المسرح أكبر من مساحته، كأن الضوء يستدعي عالما كاملا من الغياب. في خيال الظلّ صدى لتاريخ طويل من الفرجة والحكاية الشفهية، حين كانت الصورة والصوت والجسد وسائل الناس في نقل قصصهم. ومن هذا التداخل بين الصورة والموسيقى والأداء، يطرح العمل سؤالا: عن المسرح العربي ومساراته: كيف كان يمكن أن تتطور أشكاله لو لم يترك الاستعمار أثره العميق في ثقافتنا وتقاليدنا الفنية؟

وأنا أشاهد العرض، فكرت في المفارقة التي تحملها هذه الملحمة بالنسبة إلى الفلسطيني، وخصوصا الفلسطيني في الداخل. نحن ننتمي إلى فضاء ثقافي تتقاطع فيه الحكايات والأغاني والعادات، فضاء لم تصنعه الحدود الحديثة، بل صنعته حركة الناس وتجاورهم وتبادلهم عبر أجيال.

ومع ذلك، لا يستطيع الفلسطيني دائما الوصول إلى أجزاء من هذه الجغرافيا التي يشعر أنها قريبة منه؛ فقد تتحول الأماكن القريبة في الذاكرة والتاريخ إلى أماكن بعيدة بفعل الحدود والقيود المفروضة على الحركة. هنا تصبح «السيرة الهلالية» طريقا نعبره بالصوت والخيال حين لا تكون الطريق مفتوحة أمامنا. على الخشبة، بدت المنطقة متصلة كما تسكن الذاكرة، لا كما تقسمها الخرائط.

وكان من أجمل ما في العرض، بالنسبة إلي، الثقة التي منحت للنساء في حمله. لم يكن حضورهن تفصيلا يزين الحكاية أو يمر على هامشها؛ كن في قلبها، بأصواتهن وأجسادهن وقوتهن، يحملن إيقاع العرض ويدفعنه إلى الأمام. بدت أصواتهن ممتلئة وواثقة، فيما جاءت الأصوات الرجالية لتدخل معها في تناغم وتضاد، فتتشكل بين الأصوات علاقة تمنح الحكاية حيويتها. ما لفتني هو الثقة الفنية الموضوعة في النساء أن يحملن هذا العمل وأن يكن قوته وصوته، لا أن يقفن على هامشه.

ثم تأتي الزغاريد والموسيقى، لا لترافق الحكاية من الخارج، بل لترويها بطريقتها. في الثقافة الفلسطينية، كما في ثقافات بلاد الشام ومناطق عربية أخرى، ليست الزغرودة مجرد صوت احتفالي؛ إنها علامة تعرفها الجماعة وتستدعي لحظة ومكانا وناسا. وقد تحمل الأغنية الشعبية، بحسب سياقها، الفرح أو الحزن أو رسالة غير مباشرة. والأهم أنها جزء من ذاكرة الناس، ومن الطريقة التي عبروا بها عن حياتهم وحفظوا رواياتهم ونقلوا مشاعرهم من جيل إلى آخر.

الموسيقى الشعبية تسافر حتى حين لا نعرف تماما من أين جاءت أو كيف وصلت إلينا. نسمع لحنا فنشعر أننا نعرفه قبل أن نتذكر أين سمعناه أول مرة. تتبدٍل الكلمات من مكان إلى آخر، وتتغير الروايات بحسب من يغنيها، لكن شيئا من الإيقاع يظلّ مشتركا؛ كأن الأغنية تنتقل بين البيوت والقرى والمدن، يحملها الناس معهم ثم يضيف كل جيل إليها صوته. لهذا بدت لي الزغاريد والأغاني في العرض أكثر من استعادة للفلكلور: كانت دليلا على أن الثقافة لا تنتقل بالوثائق وحدها، بل بالصوت والتكرار والمشاركة، وبما تحفظه الأجساد من غير اتفاق مسبق.

خلال العرض، أخذ فلسطينيون ولبنانيون من الجمهور يرددون الألحان بفخر. لم يكن الأمر مجرد تفاعل مع ما يحدث على الخشبة؛ بدا كأن اللحن فتح ممرا بين المسرح والصالة، وبين أشخاص جمعتهم أمكنة مختلفة وما زالت تجمعهم ذاكرة موسيقية مشتركة. حتى حين تختلف الكلمات أو تتغير تفاصيل الحكاية، يظل اللحن قادرا على استدعاء إحساس بالألفة. في تلك اللحظات، لم يعد الجمهور متلقيا ينتظر نهاية المشهد، بل صار شريك:ا في الرواية، يضيف إليها صوته.

ولفتني تفاعل بعض المشاهدين الفرنسيين، وما بدا عليهم من دهشة أمام قوة الأصوات الحية والطاقة التي قدٍم بها الفنانون الشباب العرض.

سمعت أسئلة عن هويتهم ومن أين جاؤوا، وفكرت في الصورة التي قد تتشكل لدى من يعرف فلسطين والعالم العربي أساسا من خلال الأخبار.

ماذا يحدث حين يرى هؤلاء الفنانين على الخشبة، لا بوصفهم خبرا عابرا أو صورة مرتبطة بالحرب، بل أصحاب فن وذاكرة وحضور قادر على ملء المكان؟ لا أستطيع أن أعرف كيف غير العرض نظرة كل مشاهد، لكنني شعرت أنه أتاح فرصة لرؤية الفلسطيني بوصفه فنانا يحمل تاريخا معقدا ويصنع منه عملا يصل إلى جمهور جديد.

عرضت «السيرة الهلالية» في مونبلييه يومي 8 و 9 أكتوبر 2026 على خشبة Théâtre des 13 vents ضمن برنامج

Territoires communs في إطار موسم البحر المتوسط الثقافي. والعرض جزء من جولة دولية تشمل محطات أخرى، من بينها برشلونة وبورتو ولشبونة. تمنح هذه الجولة العمل فرصة للقاء جماهير مختلفة، لكن أهمية تقديمه لا تكتمل بالنسبة إلي بالوصول إلى المسارح الأوروبية وحدها؛ بل تزداد حين يصل أيضا إلى الجمهور الفلسطيني في البلاد. ففي مفارقة موجعة، قد يكون حضور عرض فلسطيني يقدٍم في الخارج أيسر أحيانا من الوصول إلى عرض يقدم داخل فلسطين، بسبب قيود الحركة والواقع السياسي والجغرافي الذي يعيشه الفلسطينيون.

لذلك يصبح إتاحة هذه الأعمال للجمهور الفلسطيني نفسه ضرورة ثقافية، لا تفصيلا تنظيميا: فمن حقّ الناس أن يروا فنهم، وأن يلتقوا بحكاياتهم على خشبة قريبة منهم، لا أن يضطروا دائما إلى عبور الحدود كي يشاهدوا ما يصنعه فنانوهم.

وهنا تكمن أهمية مسرح خشبة في حيفا، الذي يواصل عمله الثقافي والفني في ظروف بالغة الصعوبة، ازدادت قسوة بعد السابع من أكتوبر.

فاستمرار العمل المسرحي يتطلب الإصرار على إيجاد مساحة للفن والتجريب، وعلى إبقاء الثقافة حاضرة في زمن تتعرض فيه الحياة نفسها للتهديد.

وفي «السيرة الهلالية»، لم تأت المقاومة في صورة شعار مباشر، بل في فعل أكثر هدوءا وعمقا: أن نجتمع حول حكاية، وأن تظلّ الأغاني قابلة للغناء، وأن تجد الأصوات طريقها إلى جمهور جديد، وأن يبقى المسرح قادرا على حمل ذاكرة لا تريد أن تنقطع.

خرجت من العرض وأنا أفكر في أن الحكايات الشعبية لا تنتمي إلى الماضي وحده؛ إنها تسافر معنا، تتغير من صوت إلى آخر، وتظلّ قادرة

على جمع أشخاص لم تجمعهم المسافة أو لم تسمح لهم الحدود بأن يلتقوا في تلك الليلة، تخيلت السيرة الهلالية تعبر الصحراء من جديد، بينما تمتد أصواتها أبعد من الخشبة، وتجد طريقها إلى أفواه الجمهور. لم تكن بحاجة إلى خريطة كي تصل، ولا إلى أن تتطابق الكلمات كي نتعرف إليها. كان يكفي أن يبدأ اللحن، أن ترتفع زغرودة، أو أن يتحرك ظلّ على الرمل؛ عندها نعرف أن شيئا من الحكاية ما زال يسكننا، وأن بعض الطرق، مهما أغلقت في العالم، تظلّ مفتوحة في الصوت.

 

فريق يصنع الحكاية

وراء هذا العالم المسرحي عمل جماعي لا يمكن اختزاله في اسم المخرج وحده. كتب بشّار مرقص العرض وصمم صورته المسرحية وأخرجه، فيما تولت خلود باسل الدراماتورجيا والإنتاج. وصممت مجدلة خوري السينوغرافيا، ووضع حبيب حنا الموسيقى والتوزيعات، وتولى خليل  EPIالإنتاج الموسيقي والتوزيعات، فيما شارك رامي نخلة بالموسيقى الحية.

أما تصميم الإضاءة والإدارة التقنية فكانا من عمل معاذ الجعبة، وتولى مودي قبلاوي إدارة الصوت، وصممت فيتا حليحل الدمى.

وعملت نانسي مكعبل مساعدة للتصميم ومديرة للخشبة، فيما تولت سما واكيم تصميم حركة الدبكة، وأعد شكيب عرعور الترجمة الفرنسية المصاحبة للعرض، وتولت سميرة قدري مسؤولية الإنتاج والجولات الفنية.

وشارك في الأداء عدن رابوص، وعطالله طنوس، وميسان سمارة، وأومية القيش، ورامي نخلة، إلى جانب المغنيتين رنا برانسي وعبد زعبي، وفق التهجئة اللاتينية في البرنامج الرسمي.

إن ذكر هذه الأسماء ليس تفصيلا بروتوكوليا في نهاية المقال؛ فالتجربة التي نراها على الخشبة هي ثمرة تعاون بين الأداء والغناء والموسيقى والصورة والإضاءة والصوت والدمى والحركة. خيال الظل الذي يضاعف عدد الجموع يحتاج إلى تصور بصري وتقني، والأغاني تحتاج إلى عمل موسيقي يتيح لها أن تكون جزءا من البناء الدرامي، والحركة تحتاج إلى تنسيق بين الأجساد والإيقاع والمساحة. وكل هذه العناصر تتجمع

في النهاية لتمنح الحكاية شكلها المسرحي.

كما أن وجود هذا الفريق الفلسطيني في إنتاج يجوب المسارح الدولية يذكرنا بأن المسرح ليس مجرد نص يكتب ثم يعرض؛ إنه مؤسسة وعمل مستمر وشبكة من الفنانين والتقنيين والمنتجين. والحفاظ على هذه الشبّكة، وتوّفير الظروف التيّ تسّمح لها بالعملّ والتطّور، جزء أساسي من استمّرار الحياة الثقافية الفلسطية.

ربما أكثر ما يبقى من «السيرة الهلالية» هو قدرتهّا على جعل الحكاية مرئية ومسموعة من جديد، لا بوصفها نصا محفوظا، بل تجّربة تتّشّكلّ أمامنا في كلّ لحظة. وحين تنطفئ الإضاءة ويغادر الممثلون الخشبّة، لا تنّتهّي الحكاية تمّاما؛ إذ يبقى منها ما لا يمكن تدّوينه في النص، وما يصنعه اللقاء بين أجساد الفنانين وأصواتهم وخيال الجمهور. هناك، في المسافة بين ما عرض وما حمله كل متفّرج معه، تبدأ حكاية أخرى .