عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 10 تشرين الأول 2026

قصة قصيرة

عبدالله نايف أبو شاويش*

لم يكن زواجهما يشبه حفلات الزواج التي عرفاها قبل الحرب. لم تكن هناك صالة أفراح مضاءة، ولا حفلة موسيقى تمتد حتى آخر الليل، ولا نساء يزغردن في الطريق. كان هناك بيت صغير، وبعض الأقارب الذين استطاعوا الوصول لمشاركتهما فرحتهما.

تزوجا على عجل، كأنهما كانا ينتزعان من الحرب فسحة صغيرة ليبدآ حياتهما سويا.

قال لها في تلك الليلة:

- يكفينا أننا معا.

ضحكت وأسندت رأسها إلى كتفه.

قبل أن يناما، وضع يده على بطنها، وقال:

 -إذا كان ولدا؟

قالت:

- سنسميه آدم.

بعد أيام قليلة، نزحا نحو الجنوب.

حملا ما استطاعا، ومشيا بين بيوت لم تعد تعرف أصحابها. تنقلا من مكان إلى آخر؛ من غرفة إلى مدرسة، ومن مدرسة إلى خيمة، كلما اقترب القصف من المكان الذي احتميا فيه.

كانا ينامان على الأرض، ويستيقظان على أصوات الطائرات. وحين يقل الطعام، كان يقسم رغيف الخبز نصفين. يضع نصفه أمامها، فتعيده إليه قائلة:

- وأنت أيضا تحتاج إلى أن تأكل ما يسد جوعك.

ويضحكان.

وحين اشتدت المجاعة، صارا يحسبان الأيام بما يجدانه من طعام. مرة اقتسما حبة بطاطا، ومرة شربا الماء بدل العشاء.

كانت أمل في شهرها التاسع. كبر بطنها، بينما كان العالم من حولها يصغر.

وكلما سمعا انفجارا، وضع زوجها يده على بطنها وسألها:

- هل تحرك؟

وضعت يدها على بطنها، وابتسمت:

- نعم.

طفلهما يتحرك. إذن ما زالت هناك حياة.

وبعد أسابيع، عادا إلى مسكنهما الصغير المصنوع من الزنك فوق إحدى البنايات. كان نصفه قد تهدم، وسقفه مثقوبا، ونوافذه مكسورة، لكنهما قررا البقاء فيه.

ذات صباح، قالت له أمل:

- أريد أن أغسل الملابس.

نظر إليها مستغربا.

- الآن؟

قالت:

- حتى لو انتهت الحرب غدا، لا أريد أن نستقبلها بثياب متسخة.

ابتسم.

ساعدها في جمع الماء.

غسلت ملابسها وملابسه، وغسلت القطعة الصغيرة التي أعدتها لطفلهما.

ثم نشرت الملابس على حبل امتد بين ما تبقى من نافذة وجدار.

كانت الملابس تتحرك مع الريح. ووقفت أمل تتأملها طويلا.

قال زوجها:

-  عندما يولد، سأشتري له شيئا أجمل.

قالت:

- لا أريد شيئا أجمل.

ثم ابتسمت:

- أريده فقط أن يعيش.

في ذلك المساء، كان القصف أقرب من المعتاد. اهتزت الجدران. تساقط الغبار من السقف.

ضمها زوجها إليه وقال:

- سنخرج من هنا.

نظرت إليه.

- إلى أين؟

صمت. لكن لم يكن هناك مكان آخر.

ثم جاء الانفجار. وكان أسرع من أن يمنحهما فرصة للخوف. اهتز البيت بعنف. انهار جزء من السقف. تطاير الزجاج. ارتفع الغبار حتى ابتلع الغرفة.

وحين عاد الصمت للحظة، وجد نفسه ينزف. ناداها. لم تجبه. حاول أن ينهض، فلم يستطع.

أما أمل فكانت  تحت الأنقاض.

وصل المسعفون.

أخرجوا الزوج حيا، لكن جراحه كانت خطيرة. أما أمل فقد رحلت. ورحل معها طفلها الذي لم ير العالم.

بعد ساعات، هدأ القصف قليلا.

لم يبق من البيت إلا جدران، وغبار، ورائحة بارود. وبقيت القطعة الصغيرة التي غسلتها بيديها قبل ساعات ترفرف وحدها في الهواء.

ثم انحدرت الدماء من فوق السطح، صبغة وداع لحبال الغسيل.

--------

* كاتب من غزة