كيف تأتي القصيدة؟
يزيد جبر شعث*

لعلَّ سؤالاً كهذا لا يمكن أن نجد له إجابةً شافيةً أو نحدد إجابةً قطعيةً، لأن حالات الشعر والشاعر كثيرة تتغير وتتبدل حسب تبدل وتغير المناخ الشعري والنفسي للشاعر ، فقد يكتب الشاعر في اليوم الواحد خمس قصائد وقد يصمت أياماً وشهوراً وربما سنوات . وهنا كنت قد وقفتُ مرةً أمام سؤالٍ وهو هل يذهب الشاعر إلى القصيدة أم أن القصيدة هي التي تأتي إليه مُنقادةً ؛ لتتبلور بين يديه.
لا ننكر بأن الشاعر المتمكن من أدواته يستطيع أن يكتب وقتما يريد ؛ فهو الذي يجرَّ القصيدة من ناصيتها ؛ فيفصِّلها كثوب حرير ، ويتحكم بكل تفاصيلها كما لو أنه نحاتٌ ينحت منحوتته بكلِّ رويةٍ وهدوء حتى تستقيم نفسه لهيئتها الأخيرة ، وعادةً يكون هؤلاء الشعراء أصحاب غزارة شعرية في الإنتاج ؛ فهم يذهبون لحقول الشعر متى أرادوا ؛ فيقطفون منها ما يشتهون، ولكن وعلى الرغم من هذه القدرة الهائلة والقوة الشعرية المفرطة إلا أن هؤلاء الشعراء عادةً ما يقعون في فخ التشابه وتكرار الأفكار واللغة والروح الشعرية في قصائدهم ، ولكنَّ هذا لا ينقص من شاعريتهم.
وهناك النوع الأخر وهم الشعراء الذين لا يكلفون أنفسهم تجشم عناء الذهاب إلى تلك الحقول ، بل يجلسون في أماكنهم وينتظرون القصيدة أن تأتي على مهلها ؛ لتفرد نفسها بين أيديهم ، وفي هذه الحالة تكون القصيدة أكثر نضجاً وأشد شاعرية ، ويكون هؤلاء الشعراء أكثر إبداعاً واختلافاً وتفرداً من حيث الأفكار واللغة والجماليات وأكثر تجدداً في الروح الشعرية ؛ لأن الشعر يأتي منساباً إليهم ، وتكون القصيدة أشبه بثمرة كاملة النضج والتكوين سقطت من شجرة بين يدين آكلها ، وبالمقابل يكون الإنتاج لديهم قليلاً نسبياً لكنه مُكثف ، فربما تراوده قصيدة كل يوم وربما تأتي كل شهر وربما تنقطع لسنوات ، وأحياناً تنقطع إلى الأبد كما حال شعراء القصيدة الواحدة في تاريخ الشعر العربي
إن هناك من يتسلق الشجرة ؛ فيقطف ثمارها ومنهم من يجلس تحتها ينتظر أشد الثمار نضجاً وأكملها تكويناً ؛ فتسقط إليه ، وفي الحالين يكون الناتج شعراً.
----------------
*شاعر من غزة