عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 26 أيلول 2026

ولد مع النكبة، وكبر وشب في الزمن

يحيى يخلف

مع ذكرى الكاتب الروائي فاروق وادي نعيد نشر ما كتبه الروائي صديقه يحي يخلف

لا تستطيع كلمة مختصرة أن تُلِمّ بسيرة ومسيرة الكاتب والناقد والمبدع فاروق وادي، ولا ال تستطيع عجالة أن تنصف عطاءه الثري والمكانة العالية التي تبوّأها.

ينتمي فاروق إلى جيل وُلِدَ مع النكبة، وكبر وشبَّ في الزمن الصعب، جيل نقش في الصخر، أعاد الاعتبار إلى الثقافة الفلسطينية جنباً إلى جنب قبل وبعد انطلاقة الثورة، وتأسيس منظمة التحرير. مسيرة فاروق هي مسيرة جيلنا، مسيرة جيل يسكن الوطن قلبه ووجدانه.

لقد استطاع أن يجعل من الثقافة قوّة دافعة لحركة الحياة.. قوّة تُعيد الاعتبار إلى الهوية الوطنية وإلى الجانب الكفاحي في المسيرة نحو الحرية والتحرير. في هذه المسيرة كتب عن الجيل الذي أسَّس روايتنا الفلسطينية، فكتب بثقافة الناقد المتمكِّن عن الجيل الطليعي الذي أسَّس الرواية الفلسطينية بعد النكبة، وكتب عن الجيل الطليعي الذي قدَّم الرواية بشروط إبداعية، وكان ذلك أعلى درجات الوفاء، للجيل الحاضر والأجيال القادمة، وكان ذلك في كتابه النقدي "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية"، وهي أصوات: غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وجبرا إبراهيم جبرا، عام 1985.

بالإضافة لكونه كتب كمبدعٍ القصة والرواية، ومن إنتاجه: المنفى يا حبيبي (مجموعة قصصية عام 1976)، طريق إلى البحر (رواية عام 1980)، رائحة الصيف، ومنازل القلب، وديك بيروت يؤذن في الظهيرة، وسيرة المشتاق.

وكتب في الصحافة، وخصوصاً في صحيفة الأيام، وكانت مقالاته ذات بُعدٍ ثقافيٍّ رصين. بالإضافة إلى المقالات الرائعة التي عبَّر من خلالها عن محبته لياسر عرفات بعد رحيله، وقد قال فيما قال: "من المرات القليلة التي التقيته فيها، كانت واحدة في بيروت، وكانت ثمة مناسبة ثقافية وكنت ضمن عدد من المثقفين. والمرة الوحيدة التي تسنَّت لي فيها مصافحته كانت في تونس، في بيت رئيس الدائرة الثقافية عبد الله الحوراني، حيث جاء أبو عمار للقاء مجموعة من المثقفين العرب المشاركين في مهرجان قرطاج المسرحي، وكنت واحداً منهم. في تلك الليلة حظيت بصورة معه، وهذه الصورة قد تصلح دليلاً أنني عشت في زمانه، فهو رجل ظل على الدوام جزءاً من حياة شعبه"، وهذه شهادة لمبدع يستحق التقدير، ويشغل مساحة واسعة في ثقافتنا الوطنية.

لقد ساهم فاروق وادي في وضع السرد الفلسطيني في الموقع العالي الذي يستحق. وظلَّ وفياً للإبداع، حتى وهو يُعالج في مستشفى بالبرتغال. وعلى الرغم من الصراع مع المرض، فقد كتب روايته الأخيرة (سوداد - هاوية الغزالة) التي كتبها بكل ما يمتلك من بلاغة، وعلى الرغم من أنّه أتيح لي قراءة جزءٍ منها، فقد أدهشتني بلاغة السرد وجمال اللغة، فكأنّ الكتابة كانت جزءاً من علاجه.

ظلَّ فاروق وفيّاً للكتابة، ولعلَّه أدرك أنَّها الرواية الأخيرة. ولقد عرفنا من أحد أبنائه أنَّه وهو في الرمق الأخير كان ينتظر طباعتها ووصولها إلى القرّاء، وعندما ودَّع الحياة كانت روحه مطمئنة. هكذا يرحل المبدع ولكنَّ إبداعه لا يرحل.