عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 01 أيلول 2026

حين تقطع الحواجز الطريق إلى السوق.. مراكز المدن تفقد زبائنها.. والقرى تفتح أسواقًا بديلة

تراجع الحركة التجارية يضغط على التجار والمنشآت الاقتصادية ويقلّص دوران السيولة

نابلس– الحياة الاقتصادية– ميساء بشارات- مع صعوبة الوصول إلى الأسواق المركزية، بدأ تحوّل اقتصادي يتشكل بعيدًا عن مراكز المدن. متسوقون يبحثون عن احتياجاتهم في أماكن أقرب، وتجار يلتقطون الطلب الجديد، ومحال تتوسع، وأنشطة تجارية تظهر في قرى وبلدات كانت في السابق ترسل جزءًا كبيرًا من قوتها الشرائية إلى المدينة.

هكذا، لا تصنع الحواجز أزمة مرور فقط، بل تعيد، بصورة تدريجية، رسم جغرافيا السوق؛ فحين يصبح الوصول إلى المدينة أكثر كلفة، تصبح المسافة الأقصر ميزة اقتصادية، خاصة أن الطريق نفسه لم يعد مضمونًا.. حاجز قد يغلق لساعات، وبوابة قد تقطع طريقًا، وطريق التفافي يضيف وقتًا وكلفة إلى رحلة كانت بسيطة في السابق.

 

من رحلة إلى نابلس.. إلى سوق أقرب

تقول أم عبد الرحمن (50 عامًا) من بلدة بيتا جنوب شرق مدينة نابلس: "كنت أذهب إلى نابلس مرة أو مرتين في الأسبوع، أما اليوم فأفكر في الطريق قبل أن أفكر في الشراء. إذا كانت حاجتي متوفرة في البلدة، فلماذا أخاطر بالانتظار على الحاجز أو أقطع طريقًا أطول؟"

وتضيف: "إنه لم يعد سعر السلعة وحده هو ما أحسبه، فهناك كلفة أخرى أصبحت جزءًا من قرار الشراء، وهي كيفية الوصول، والجهد المبذول، وما تحتاجه من وقت".

وتتابع أم عبد الرحمن: "إذا كانت السلعة في المدينة أقل سعرًا، لكن الوصول إليها يحتاج إلى انتظار على حاجز، وطريق التفافي، واحتمال إغلاق مفاجئ، فقد يصبح الشراء من متجر قريب أكثر جدوى اقتصاديًا".

هذا التحول الفردي في سلوك المستهلك أصبح، في الواقع، جزءًا من تحوّل أوسع في حركة السوق.

المواطن الذي كان يتوجه إلى المدينة حتى لشراء بعض الاحتياجات اليومية، بدأ يفضل الحصول عليها من متجر قريب، حتى في الحالات التي يكون فيها السعر أعلى قليلًا، مقابل توفير الوقت وكلفة الوقود والمواصلات والجهد.

وهذا ما يصفه الناطق باسم غرفة تجارة وصناعة نابلس، ياسين دويكات، بأنه أحد التحولات الواضحة التي فرضتها القيود على الحركة، خصوصًا على العلاقة التجارية بين مدينة نابلس والقرى المحيطة بها.

يقول دويكات إن نابلس اعتمدت تاريخيًا، في جانب مهم من نشاطها التجاري، على المتسوقين القادمين من القرى والبلدات المجاورة، إلى جانب الزوار من المحافظات الأخرى ومن داخل أراضي الـ48.

لكن تشديد الحواجز والإغلاقات جعل الوصول إلى المدينة أكثر صعوبة وكلفة، ودفع السكان إلى البحث عن بدائل أقرب. ومع استمرار القيود، لم يتغير المستهلك وحده، بل بدأ السوق نفسه يتغير.

 

من البقالة إلى السوبرماركت

يقول دويكات إن المستثمرين والتجار التقطوا التحول في الطلب. فالقرى التي كانت تعتمد في السابق على بقالات صغيرة للحصول على احتياجاتها اليومية، بدأت تشهد توسعًا تدريجيًا في منشآتها التجارية.

البقالة أصبحت في بعض المناطق سوبرماركت، وظهرت محال أكبر وأكثر تنوعًا، فيما توسعت تجارة التجزئة والجملة داخل بعض البلدات، لتوفير سلع كانت تُشترى في السابق من مركز المدينة.

وبحسب دويكات، لم يعد التوسع مقتصرًا على المواد التموينية والأساسية، بل امتد إلى الملابس والأحذية والإكسسوارات والحلويات والقهوة والمكسرات وغيرها من السلع الاستهلاكية. وبعض القرى أصبحت تضم أنشطة تجارية أكثر تنوعًا، ما أتاح للمستهلك العثور على جزء كبير من احتياجاته داخل بلدته.

وبذلك، بدأ جزء من القوة الشرائية التي كانت تتجه بصورة تقليدية إلى نابلس بالبقاء داخل القرى والبلدات.

 

التاجر يلاحق الزبون

يقول الشاب نعيم الصالح، صاحب سوبرماركت في إحدى قرى محافظة نابلس، إن دكانه كان صغيرًا جدًا، لكن مع الطلب والإقبال من قبل الأهالي، لصعوبة وصولهم إلى المدينة، وسّع بقالته لتصبح سوبرماركت فيها الكثير من الأصناف المتنوعة، ليلبي احتياجات الناس.

ويوضح الصالح أن رغبة الناس في الشراء من البلدة دفعته إلى التوسع، عكس السابق، حيث كان الناس يفضلون الذهاب للشراء من المدينة.

 

لكن المدينة لا تخسر زبونًا واحدًا فقط

في الجهة المقابلة، تدفع مراكز المدن ثمنًا اقتصاديًا أوسع من مجرد انخفاض مبيعات متجر واحد. الزبون القادم من قرية لا يشتري بالضرورة سلعة واحدة. قد يشتري الملابس، ويتناول الطعام، ويزور عدة متاجر، ويستخدم وسيلة نقل، أي أن المتسوق الواحد يحرك سلسلة كاملة من الإنفاق.

وهذا ما ينعكس على التجار والمطاعم والمقاهي وقطاع النقل والخدمات في مراكز المدن، عندما يتراجع عدد القادمين إليها.

يقول التاجر أحمد العايدي، صاحب محل تجاري في مدينة نابلس، إن ما يحدث لا يقتصر على تراجع مؤقت في أعداد المتسوقين، بل يعكس تغيرًا في توزيع النشاط التجاري.

وينوه إلى أن المواطن الذي كان يتوجه إلى سوق نابلس أصبح يفضل في كثير من الأحيان قرية أو بلدة أقرب إليه، فيما بدأ التجار في تلك المناطق بتوسيع نشاطهم استجابة للطلب.

ويوضح أن ذلك أدى إلى ظهور مراكز تجارية بديلة تستقطب جزءًا من الزبائن الذين كانوا يقصدون المدينة.

يقول العايدي: "الناس كانت تأتي إلى نابلس حتى في المشتريات العادية. اليوم كثير منهم يقولون: لماذا أذهب وأنتظر على الحاجز إذا كان المنتج موجودًا بالقرية؟"

 

أرقام تكشف حجم ما تخسره المدينة

ويقدّر دويكات أن الحركة التجارية في مدينة نابلس تراجعت خلال العام الحالي بما لا يقل عن 70 إلى 75%، مرجعًا ذلك إلى مجموعة من العوامل، من بينها القيود على الحركة وتراجع القوة الشرائية وجفاف السيولة.

وأشار دويكات إلى أن تجربة أسبوع التسوق "يلا ع نابلس"، الذي نظمته غرفة تجارة وصناعة نابلس، أظهرت أهمية الزوار القادمين من خارج المدينة بالنسبة إلى اقتصادها.

خلال أسبوع واحد، دخل إلى نابلس نحو 120 حافلة، بمتوسط يقارب 50 متسوقًا في الحافلة، أي نحو 6 آلاف متسوق، إلى جانب قرابة 5 آلاف مركبة خاصة.

ويقدّر دويكات أن حركة المتسوقين خلال ذلك الأسبوع ضخت في الأسواق ما بين 8 و10 ملايين شيكل.

وتكشف هذه الأرقام أن تراجع الوصول إلى المدينة لا يعني انخفاض عدد الأشخاص في شوارعها فقط، بل انخفاضًا في الأموال التي تدخل الدورة الاقتصادية لمجموعة واسعة من القطاعات.

ويقدّر دويكات أن المتسوق القادم من القرى أو المحافظات المجاورة قد ينفق في الحد الأدنى ما بين 200 و300 شيكل في الزيارة الواحدة، ما يجعل فقدان أعداد كبيرة من الزبائن خسارة مباشرة لدوران الأموال في الأسواق المركزية.

 

إعادة توزيع أم خسارة؟

لكن المحلل الاقتصادي الدكتور ثابت أبو الروس لا ينظر إلى انتقال جزء من الإنفاق من المدينة إلى القرية باعتباره خسارة صافية لطرف ومكسبًا خالصًا للطرف الآخر. بل يصف ما يحدث بأنه إعادة توزيع للنشاط الاقتصادي والثقل التجاري.

ويقول أبو الروس إن الأحداث السياسية والقيود على الحركة تلعب دورًا في إعادة تشكيل التوزيع الجغرافي للنشاط الاقتصادي، مشيرًا إلى أن الأزمة التي فرضتها الحواجز والإغلاقات دفعت، بصورة غير مباشرة، إلى تعزيز التجارة داخل القرى والبلدات وفتح مشاريع جديدة فيها.

ويضيف أن المستثمر الفلسطيني بدأ، من دون تخطيط اقتصادي مركزي أو سياسة منظمة، بالاستجابة للواقع الجديد، عبر إنشاء مشاريع ومراكز تجارية في مناطق كانت تعتمد سابقًا بصورة أكبر على المدن الرئيسية.

وبحسب أبو الروس، فإن جزءًا من الثقل الاقتصادي الذي كان يتركز في مدن مثل نابلس ورام الله والخليل وجنين وطولكرم بدأ ينتقل تدريجيًا إلى المناطق الفرعية والبلدات والقرى.

ويقول إن هذا الانتقال يخلق نوعًا من التوازن في توزيع النشاط الاقتصادي، بعد سنوات من تركز الطلب والاستثمار في مراكز المدن.

كما دفع بعض التجار إلى فتح فروع لمشاريعهم خارج المراكز الرئيسية، حيث تنخفض في بعض المناطق كلفة العقارات والإيجارات والتشغيل.

 

التحول يتجاوز التسوق

لكن أبو الروس يرى أن المسألة لم تعد تقتصر على انتقال المستهلك من سوق إلى آخر.

فالنشاط الصناعي والإنتاجي والخدماتي بدأ أيضًا يجد مساحة أكبر في القرى والبلدات.

فالمستثمر الذي يحتاج إلى قطعة أرض واسعة لإقامة مصنع أو مشروع إنتاجي قد يجد أن كلفة ذلك داخل المدينة مرتفعة، بينما توفر المناطق الريفية والبلدات خيارات أقل كلفة.

ومع إنشاء المشاريع، تظهر فرص عمل وتدخل سيولة جديدة إلى السوق المحلية، ما يزيد القدرة الشرائية ويخلق طلبًا على خدمات ومحال جديدة.

وهكذا تبدأ دورة اقتصادية داخل البلدة نفسها: مشروع يوفر فرص عمل، وفرص العمل تولد إنفاقًا، والإنفاق يخلق طلبًا، والطلب يشجع على افتتاح مشاريع أخرى.

ويشير أبو الروس إلى أن بعض البلدات بدأت تتحول إلى مراكز تخدم مجموعة من القرى المحيطة بها، من خلال توسع الخدمات المصرفية والصحية والتعليمية والتجارية والترفيهية.

وبذلك، تنشأ مراكز اقتصادية محلية جديدة تخدم محيطًا جغرافيًا أوسع.

 

هل تربح القرى؟

لكن توسع السوق في القرى لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر كفاءة. يقول أبو الروس:

القرية قد تكسب متجرًا جديدًا وزبائن أكثر، لكن التاجر قد يواجه كلفة أعلى للحصول على البضائع بسبب صعوبة النقل وطول الطرق، وقد يجد المستهلك السلعة أقرب إليه، لكنه يدفع مقابل ذلك سعرًا أعلى.

الحاجز قد يدفع إلى خلق سوق جديد، لكنه لا يخلق بالضرورة بيئة اقتصادية أفضل.

 

المدينة لا تفقد بريقها بالكامل

ورغم هذا التحول، لا يتوقع أبو الروس ودويكات أن تفقد مراكز المدن دورها التجاري.

فالسوق المركزي ما يزال يمتلك تنوعًا ومنافسة يصعب على الأسواق المحلية توفيرهما بالدرجة نفسها.

وفي المواسم الكبرى، مثل الأعياد والعودة إلى المدارس والجامعات، يعود جزء من المتسوقين إلى مراكز المدن بحثًا عن تنوع أكبر وعروض وأسعار أكثر تنافسية.

كما أن نابلس لا تقدم للزائر سلعة فقط، وفق دويكات، بل تجربة تسوق مرتبطة بالمطاعم والمقاهي والخدمات والأسواق التقليدية والبلدة القديمة.

لكن ما تغير هو أن المستهلك لم يعد مضطرًا إلى التوجه إلى المدينة في كل مرة.

فالسلع اليومية والأساسية، والخدمات التي أصبحت متاحة داخل البلدات، قد تحتفظ بجزء من الطلب محليًا حتى لو تحسنت حركة الطرق.

 

سوق يرسمه الحاجز

لم تعد الحواجز مجرد نقاط تفتيش تقطع الطريق بين المدينة والقرية، بل أصبحت عاملًا يؤثر، بصورة غير مباشرة، في المكان الذي ينفق فيه الفلسطيني أمواله، وحيث يختار المستثمر توجيه رأسماله.

فكلما أصبحت الرحلة إلى المدينة أطول وأكثر كلفة، ازدادت جاذبية السوق الأقرب، ومع انتقال المستهلك إليه، يتحرك التاجر والمستثمر لتلبية الطلب.

وهكذا، لم تفقد المدن دورها التجاري، ولم تصبح القرى بديلًا كاملًا عنها، لكن خريطة السوق بدأت تتغير؛ قرى تحتفظ بجزء من زبائنها، وأسواق محلية تتوسع، ومراكز مدن تتقاسم ثقلها التجاري مع بدائل جديدة.